محمد متولي الشعراوي

1906

تفسير الشعراوى

والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يصور هذه المسألة تصويرا دقيقا حين يبين لنا أن من يطلب منه حق اللّه ولم يؤده ، يأتي المال الذي منعه وضن وبخل به يتمثل لصاحبه يوم القيامة « شجاعا أقرع » وهو ثعبان ضخم ، ويطوق رقبته . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « من آتاه اللّه مالا فلم يؤد زكاته مثّل له شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة يأخذ بلهزمتيه - يعنى شدقيه - يقول : « أنا مالك أنا كنزك » ثم تلا قوله تعالى : « وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ » إلى آخر الآية « 1 » . إذن فالذي يدخر بخلا على اللّه فهو يزيد من الطوق الذي يلتف حول رقبته يوم القيامة . « وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ » نعم فلله ميراث السماوات والأرض ، ثم يضعها فيمن يشاء ، فكل ما في الكون نسبته إلى اللّه ، ويوزعه اللّه كيفما شاء . إن الإيمان يدعونا ألّا ننتظر بالصدقة إلى حالة بلوغ الروح الحلقوم ، فقد روى عن أبي هريرة أنه قال : جاء رجل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه أي الصدقة أعظم أجرا ؟ قال : « أن تصدّق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت : لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان » « 2 » لأنه عند وصول الروح إلى الحلقوم لا يكون له مال . قول الحق : « وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ » قضية تجعل القلب يرتجف خوفا ورعبا ، فقد يدلس الإنسان على البشر ، فتجد من يتهرب من الضرائب ويصنع تزويرا دفترين للضرائب ، واحدا للكسب الصحيح وآخر للخسارة الخاطئة ويكون هذا المتهرب من الضرائب يملك المال ثم ينكر ذلك ، هذا الإنسان عليه أن يعرف أن اللّه خبير بكل ما يعمل . وبعد ذلك يقول الحق : لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ( 181 )

--> ( 1 ) تفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه ، وقد رواه ابن حبان في صحيحه . ( 2 ) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة - باب أي الصدقة أفضل .