محمد متولي الشعراوي
1360
تفسير الشعراوى
وكأن اللّه ينبهنا بذلك القول إلى أن كل شئ ينبت من البشر للبشر ، فلابد أن تحدث فيه خلافات . إنما الشئ عندما يأتي من الواحد الأحد لا يمكن أن يحدث فيه خلاف أبدا . لا يمكن أن يحدث خلاف فيما اتحد فيه المصدر والمنبع إلا إن وجدت - بضم الواو وكسر الجيم - أشياء زائدة عن ذلك ، وهذه الأشياء الزائدة هي أهواء الذين يقولون : إنهم منسوبون إلى اللّه . إذن فالحق سبحانه وتعالى يوضح لنا أن الكتاب لم يأت إليهم من بشر مثلهم ، إنما من إله واحد قادر ، وفي هذا تنبيه لأتباع الديانات السابقة . أي إنكم أيها الأتباع لا تتبعون إلا منهج اللّه ، وحين تتبعون منهج اللّه الذي جاء به الرسل فأنتم لا تتبعون أحدا من الخلق ، لأن أي رسول أرسل إليكم إنما جاء ليبلغكم بمنهج قادم من ربكم ، ولم يقل لكم أحد من الرسل إن المنهج قادم من عنده والرسول يحمل نفسه على الطاعة والخضوع للمنهج المنزل عليه قبلكم ، وهذه عزة لكم ، ولينتبه جميع الخلق أن المنهج الحق دائما قد أخذه الرسل من اللّه . وحين يقول الحق : « الكتاب » فلنا أن نعرف أن كلمة « الكتاب » قد وردت في القرآن الكريم في أكثر من موضع ، إن الحق سبحانه وتعالى يسمى القرآن مرة « قرآنا » لأنه يقرأ ، ويسميه الحق أيضا « الكتاب » وذلك دليل على أنه يكتب ، وحين نقول : إن القرآن من ( القراءة ) فهذا يعنى أن نبرز ما في الصدور بالقراءة ولكن ما في الصدور قد تلويه الأهواء ؛ لذلك يحرس الحق قرآنه بما في السطور ولذلك فالقرآن مقروء ومكتوب . وعندما يقول الحق ( من أهل الكتاب ) ، فإن ذلك تنبيه لنا أن الكتاب هو منهج مكتوب ، أي لم يتم وضعه في الصدور ونسيته النفوس ، لا ، إنه منهج مكتوب ، هكذا حدد الحق أمر المنهج السابق على القرآن ، إنه مكتوب ، فإن لعبت أهواء النفوس كما لعبت ، فإن ذلك يعنى تحريف الكلم عن مواضعه . ولنا أن ننتقل الآن إلى معرفة « العلم » : ما هو العلم ؟ إن العلم هو أن تدرك قضية وهذه القضية واقعة في الوجود تستطيع أن تقيم الدليل عليها ، وغير ذلك من القضايا لا يصل إلى مرتبة العلم لأنه لا يستطيع أحد أن يدلل عليه . مثال ذلك : نحن نقول : « الأرض كروية » إن كروية الأرض هي نسبة