محمد متولي الشعراوي
1883
تفسير الشعراوى
لقد كان المنافقون في أول المعركة مختفين ومستورين ، ثم ظهرت منهم بادرة الانخذال في أحد فكانوا أقرب إلى الكفر منهم إلى الإيمان ، ولكنهم من بعد ذلك سارعوا إلى الكفر ، كأن هناك من يلاحقهم بسوط ليتسابقوا إلى الكفر . وها هو ذا الحق سبحانه قد حدّد عناصر المعركة ، أو قوى المعركة ، أو ميدان المعركة أو جنود المعركة ، فينبه رسوله : « وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ » ولم يقل : لن يضروكم شيئا ؛ لأن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وصحابته المؤمنين ليسوا طرفا في المسألة ، فعداء الذين يسارعون في الكفر هو عداء للّه ؛ لذلك يقول الحق : « إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً » . كأن المعركة ليست مع المؤمنين . ولكنها معركة الكافرين مع اللّه ، وما دامت المعركة مع اللّه فالمؤمنون جند اللّه ؛ وهم الصورة التي أرادها اللّه لهزيمة الكافرين : قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ( 14 ) ( سورة التوبة ) فلو كانت معركة الكفر مع المؤمنين باللّه فقط لقال اللّه : ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروكم شيئا ، لكن المسألة ليست هكذا ، لقد أراد معسكر الكفر والنفاق أن يدخل معركة مع اللّه ، ولا توجد قوة قادرة على ذلك ، ولهذا يطمئن اللّه المؤمنين أكثر ، ليزدادوا ثباتا على الإيمان ؛ لأن الكل من البشر مؤمنين وكفارا أغيار ، وقد يتحول بعض من البشر المؤمنين الأغيار عن المنهج قليلا ، فعندما تكون المعركة بين بشر وبشر فقد يغلب أحد الطرفين بقوته . ومن أجل المزيد من الاطمئنان الكامل نقل اللّه المعركة مع الكفر إلى مسألة أخرى ، إنه بجلاله وكماله وجبروته هو الذي يقف ضد معسكر الكفار . والمهم فقط أن يظل المؤمنون في حضانة اللّه . والرسول كان يحزنه أن يسارع البعض إلى الكفر . فهل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يعلم أنه إنما جاء مبلّغا فقط ؟ . إنه يعلم ولكنه كان يحرص - صلّى اللّه عليه وسلّم - على أن يؤمن الناس جميعا ليذوقوا حلاوة ما جاء به ، هذا الحرص هو الذي يدفع الحزن إلى قلب الرسول ، وعندما يرى