محمد متولي الشعراوي
1358
تفسير الشعراوى
الإسلام فقد يجئ رسول بشئ جديد لم يكن عند الأمم السابقة فنزيده نحن بالتسليم ، وبزيادتنا - نحن المسلمين - بهذا التسليم ختم التسليم بنا نحن أمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولذا صار الإسلام لا يطلق إلا علينا . إن الحق سبحانه وتعالى يوضح لنا أن الذين أوتوا الكتاب قد اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم . ولماذا اختلفوا ؟ جاءت الإجابة من الحق . الأعلى : ( بَغْياً بَيْنَهُمْ ) وكلمة الاختلاف هذه توحى أن هناك شيئا متفقا عليه ، وما دام الإسلام هو خضوعا لمنهج اللّه . لأنه إله واحد وقائم بالقسط ، فمن أين يوجد الاختلاف ؟ وما الذي زاد حتى يوجد اختلاف ؟ أبرز إله آخر يناقض اللّه في ملكه ؟ لا لم يحدث . وما دام الإله واحدا ، وما دام المنهج القادم من عنده منهجا واحدا ، فمن أين جاء هذا الاختلاف ؟ إن الحق يوضح لنا أن الاختلاف قد جاء للذين أوتوا الكتاب من بعد ما جاءهم العلم وتلك هي النكاية ، وذلك هو الشر ، فلو كانوا قد اختلفوا من قبل أن يأتي إليهم العلم لقلنا : « إنهم معذورون في الاختلاف » . ولكن أن يحدث الاختلاف من بعد أن جاء العلم من الإله الواحد القائم بالقسط فلنا أن نقول لهم : ما الذي جدّ لتختلفوا ؟ إن الذي جدّ هو من عالم الأغيار ، وما دام الجديد قد جاء إليهم من عالم الأغيار ؛ فمعنى ذلك أن هوى النفس قد دخل ، ونريد أن نعرف أولا . معنى الاختلاف ، الاختلاف في حقيقته هو ذهاب نفس إلى غير ما ذهبت إليه نفس أخرى . ولماذا حدث الاختلاف هنا رغم أن الإله واحد ، وهو قائم بالقسط ؟ لابد لنا أن نستنتج أن شيئا جديدا قد نبت ، ما هو هذا الشئ ؟ إنه الهوى المختلف ، وحينما يقال : « اختلفوا » فنحن نعلم أن جماعة قد ذهبت إلى شئ وجماعة أخرى ذهبت إلى شئ آخر . وقد نستنتج أن طرفا قد ذهب إلى حق ، وأن الطرف الآخر قد ذهب إلى باطل ، أو أنهم جميعا قد ذهبوا إلى باطل . والذهاب إلى الباطل قد يختلف ؛ لأن كل باطل له لون مختلف . هل أراد الحق سبحانه وتعالى أن يقول : أنا أنزلت الأديان ، ومن رحمتي بخلقى تركت بعضا من الناس يحتفظون بالحق في ذاته وإن طرأ عليهم أناس يختلفون معهم . وتجد المثال لذلك في اليهود ، عندما جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . لقد اختلفوا ، وأسلم منهم أناس وآمنوا برسالة النبي الخاتم ، بينما