محمد متولي الشعراوي
1871
تفسير الشعراوى
فَضْلِهِ » وليس هذا فقط ، بل إننا نجد الأخوة الإيمانية قد بقيت فيهم وليست كخاصية الأحياء بل أنقى وأبقى من خاصية الأحياء ، فالخاصية الإيمانية تقتضى أن يحب المؤمن لأخيه ما يحب لنفسه ، والشهداء في حياتهم عند ربهم كذلك ، مما يدل على أن الحياة التي يحياها الشهداء هي حياة نامية فيها رزق ومواجيد وفرح ، وكل شهيد يعتبر أن هذا فضل من اللّه قد فضله به . ولذلك فالشهيد يستبشر بالذي لم يأت من بعده من إخوانه المؤمنين ويقول : يا ليتهم يأتون ليروا ما نراه . « وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ » : « وَيَسْتَبْشِرُونَ » من البشرى ، والبشرى هي الخبر السّار « وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ » ويلحقوا أي يأتوا بعدهم ، فالشهداء يقولون : إنهم سيأتون لنا وما داموا سيأتون لنا فنحن نحب أن يكونوا معنا في النعيم والخير الذي نحيا فيه . وكل منهم يشعر بالمحبة لأخيه ، لأنه يعلم قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه » . وعن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لما أصيب إخوانكم يوم أحد جعل اللّه أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنّة وتأكل من ثمارها ، وتأوى إلى قناديل من ذهب في ظل العرش ، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن فضلهم قالوا : ليت إخواننا يعلمون ما صنع اللّه بنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا من الحرب . فقال اللّه - عز وجل - : أنا أبلغهم عنكم ، فأنزل اللّه هذه الآيات : « وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ » وما بعدها « 1 » . ونعرف أن « البشر » عادة هو الفرحة ، وهي تبدو على بشرة الإنسان ، فساعة يكون الإنسان فرحا ، فالفرحة تظهر وتشرق في وجهه ولذلك نسميها « البشارة » ، لأنها تصنع في وجه المبشّر شيئا من الفرح مما يعطيه بريقا ولمعانا وجاذبية . « وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ » أي أن الذين خلفوا عن الشهادة لا خوف عليهم ، فهؤلاء الذين لم يستشهدوا بعد قد يخوضون معركة ما ، فيقول الحق على لسان الشهداء لكل منهم : لا تخف لأنك ستذهب لخير في الحياة « أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ » .
--> ( 1 ) رواه الإمام أحمد .