محمد متولي الشعراوي
1869
تفسير الشعراوى
ومادمتم تعرفون وسيلة للسلامة من القتل فاستعملوا هذه الوسيلة في أن تدفعوا عن أنفسكم الموت . وأنتم مع المتقدمين منكم والحاضرين تموتون ولا تستطيعون رد الموت عنكم ، إذن فأنتم لا تعرفون طريق السلامة من الموت ؛ فكم من محارب عاد من الحرب سليما ، وكم من هارب من القتال قد مات وانتهى ، وهب أن بعضا من المؤمنين المقاتلين قد قتل ، إن الذي قتل في المعركة ليس أهون على اللّه ممن سلم من المعركة ، هؤلاء أحب إلى اللّه وقد عجل اللّه لقاءهم وأنزلهم المنزل المقرب عنده . ونعرف أن الحدث إنما يحمد ويذم بالنسبة للغاية منه ، فكل حدث يقربك من الغاية يكون محمودا ، وكل حدث يبعدك عن الغاية يكون غير محمود ، فإذا كانت الغاية أن تذهب إلى الإسكندرية مثلا ؛ فقد تذهب إليها ماشيا فتحتاج إلى عدة أيام ، وقد تذهب إليها راكبا دابة فتحتاج إلى زمن أقل ، أو تذهب إليها راكبا عربة فيقل الزمن لساعات ، أو تذهب إليها راكبا طائرة فتصلها في نصف الساعة ، فكلما كانت الوسيلة قوية كان الزمن قليلا ؛ لأننا نعلم أن القوة الفاعلة في النقلة تتناسب مع الزمن تناسبا عكسيا . وكلما زادت القوة قل الزمن ، وما دامت غايتى أن أذهب إلى الإسكندرية . فالذي يعجل لي الزمن ويقلله لأذهب إليها أفضل أم لا ؟ إنها الوسيلة الأفضل . فمادامت ، الغاية أن تذهب إلى لقاء اللّه وأن تعيش في جواره ومعيته ، فحين يعجل اللّه ببعضنا فيأخذهم من أقصر طريق فهذا أفضل بالنسبة لهم أم لا ؟ هذا أفضل ، وهكذا نرى أن الناس تنظر للموت نظرة حمقاء ، إن موت المؤمن الحق الصادق الإيمان إنما يقربه إلى الغاية ، فما الذي يحزنني ! وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( 169 )