محمد متولي الشعراوي

1865

تفسير الشعراوى

أي أنه سبحانه قد جمع المؤمنين وجمع الكافرين في أحد بإذن منه وبعلمه والنتيجة معروفة عنده ، وأنه سيحدث منكم كذا وكذا ، إذن فهذا أمر معلوم ، أو « بإذن اللّه » أي في السنن التي لا تتخلف ، فالمسألة لم تأت بغير علم اللّه ، لا . لقد جاءت بإذن اللّه ولا تتخلف - تطبيقا - عن أحد من خلقه أبدا مهما كانت منزلته . « وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ » ساعة ترى أمرا أجراه اللّه ليعلم الذين نافقوا ، وليعلم المؤمنين ، نعرف أن اللّه عالم بهم قبل أن تقع الأحداث ، ولكن علمه لا يكون حجة على الغير إلا إن حدث منه بالفعل ؛ لجواز أن يقول : يا رب أنت حاسبتنى بعلمك أن هذه سيحدث ، لكن ما كنت لأفعله . فيوضح الحق : لا . أنت قد علمته لأنك فعلته وصار واقعا منك وتقوم به الحجة عليك . وأضرب هذا المثل - وللّه المثل الأعلى - أنت كمعلم تقول لواحد من الطلبة : أنت راسب ، فيقول لك : لا ، لابد أن تمتحننى . تقول له : أنا أعرف أنك راسب . فيقول لك : أنا لا آخذ بعلمك بل لا بد أن تمتحننى . تقول له : تعال أمتحنك . وتعطيه بعض الأسئلة فيرسب . وهنا يصير علمه برسوبه أمرا واقعا ، وهو كان يعلمه بسبق علم ، لكنه الآن لا يقدر أن يجادل لأنه صار واقعا محسوسا . ويقول الحق : « وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ » ومنهم الثابت الإيمان الذي لا يتزعزع ويعلم أنه إذا أصابته مصيبة بما قدم لنفسه ، هذه المصيبة تزيده إيمانا بإلهه . ويقول الحق من بعد ذلك : وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ ( 167 )