محمد متولي الشعراوي

1836

تفسير الشعراوى

« فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ » أي بأي رحمة أودعت فيك . ساعة تقول : بأي رحمة فأنت تبهم الأمر ، وعندما تبهم الشئ فكأنه شئ عظيم ؛ لأن الشئ يبهم إما لأنه صغير جدا ، وإما لأنه كبير جدا ، فالشىء إذا كان كبيرا يكون فوق المستوى الإدراكى ، وإذا كان صغيرا جدا يكون دون مستوى الإدراك . ولذلك فالأشياء الضخمة جدا نرى منها جانبا ولا نرى الجانب الآخر ، والشئ الدقيق جدا لا نراه ، ولذلك يقولون : هذا الشئ نكرة ، وذلك يدل مرة على التعظيم ويدل مرة على التحقير ، ومرة يدل على التكثير ، ومرة يدل على التقليل . فإن نظرت إلى أن الإدراك لا يستوعبه لضخامته إذن فهو كثير ، وإن رأيت أن الإدراك لا يستوعبه للطفه ودقّته ، وأنه ليس في متناول البصر يكون قليلا أو دقيقا . إذن فقول الحق : « فَبِما رَحْمَةٍ » أصلها هو : برحمة من اللّه طبعت عليها لنت لهم ، و « ما » لماذا جاءت هنا ؟ إنك إما أن تأخذها إبهامية . . يعنى بأي رحمة فوق مستوى الإدراك ، رحمة عظيمة . أو تقول : « فَبِما رَحْمَةٍ » أي أن « ما » تكون اسما موصولا . وكأن الحق يقول له : فبالرحمة المودعة من خالقك فيك والتي تناسب مهمتك في الأمة لنت لهم ، وما دامت تلك طبيعتك فلن لهم في هذا الأمر واعف عنهم واستغفر لهم . وهذه الآية جاءت عقب أحداث حدثت في أحد : الحدث الأول : أنه صلّى اللّه عليه وسلم رأى ألا يخرج إلى قتال قريش خارج المدينة بل يظل في المدينة ، فأشار عليه المحبون للشهادة والمحبون للقتال والمحبون للتعويض عما فاتهم من شرف القتال في « بدر » أن يخرج إليهم ، فنزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عند رأيهم ، ولبس لأمته ، فلما أحسوا أنهم أشاروا على رسول اللّه بما يخالف ما كان قد بدر منه ، تراجعوا وقالوا : يا رسول اللّه إن رأيت ألا نخرج ، فقال : « ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل » فمادام قد استعد للحرب انتهى الأمر ، هذه أول مسألة وهي مسألة المشورة . وبعد ذلك تخلف ابن أبىّ بثلث الجيش وهذه مسألة ثانية ، أما المسألة الثالثة فهي مخالفة الرماة أمره صلّى اللّه عليه وسلّم وتركهم مواقعهم على الرغم من أنه صلّى اللّه