محمد متولي الشعراوي

1807

تفسير الشعراوى

والحرب تحتاج إلى حركة ، والذي يأتي للحرب فهو يحتاج إلى كرّ وفر . أما الذي لا يتحرك فهذا معناه أنه ليس لديه قدرة على أن يتحرك ، وساعة تسمع - الألف والسين والتاء - وتأتى بعدها كلمة ، نعلم أن ( الألف والسين والتاء ) للطلب ، « فاستفهم » أي طلب أن يفهم ، وهي تأتى لطلب المادة التي بعدها . كأن نقول : « استعلم » أي طلب أن يعلم ، أو نقول : « استخبر » أي طلب الخبر ، و « استكان » يعنى طلب له كونا أي وجودا ، فكأنهم بلغوا من الوهن ومن الضعف مبلغا يطلبون فيه أن يكون لهم مجرد وجود ؛ لأن الوجود مظهره الحركة ، والحركة انتهت ، هذا هو معنى « استكانوا » . وما دامت من الكون يكون وزنها - مثلما يقول الصرفيون - « استفعل » يعنى طلب الكون ، وطلب الوجود ، وقد يكون وزنها ليس كذلك ؛ إذا كانت من سكن ، وهي بهذا الاعتبار لا يكون فيها طلب ؛ لأن السين ستكون أصلية ، فوزنها ليس « استفعل » بل هو « افتعل » ف « استكانوا » هل تعنى أنهم طلبوا السكون ؟ لا ؛ لأنهم كانوا ساكنين ، إذن فالأولى أن يكون معناها أنهم طلبوا مجرد الوجود ، هذا ما أميل إليه وأرجحه ، وقيل في معناها : فما خضعوا وما ذلوا من الاستكانة : وهي الذلة والخضوع . « فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ » فما يصيب العبد ابتلاء من اللّه ، وفي الحديث : « إذا أحب اللّه قوما ابتلاهم » « 1 » . وكل ذلك الوهن والضعف ، لا يشغلهم عن المعركة ، لأنهم لو صبروا على التحمل لأمدهم اللّه بمدد من عنده ؛ لأنه حين تفرغ أسباب الخلق وتنتهى يأتي إمداد الخالق . ويلفتنا الحق سبحانه وتعالى بتذييل الآية : « وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ » أي وكفى جزاء عن الصبر أن تكون محبوبا للّه ؛ لأننا قلنا سابقا : قد نحب اللّه لنعمه التي أنعمها علينا ، ولكن المسألة ليست في أن تحب اللّه أنت ، وإنما في أن تصير بتطبيق

--> ( 1 ) رواه الطبراني في الأوسط والكبير ، والبيهقي في شعب الإيمان ، والضياء المقدسي عن أنس ، وصححه السيوطي .