محمد متولي الشعراوي
1800
تفسير الشعراوى
ولكن في قوله : « انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ » فيه انقلاب حسى أيضا ، وفيها كذلك انقلاب نفسي ، وهو الانصراف عن أصل الدين ، ولذلك سيعرفنا الحق أن المنافقين بعد حدوث تلك الواقعة وبعد ما فشا وذاع في الناس قتل الرسول كان لهم كلام ، وضعاف الإيمان كان لهم كلام آخر ؛ فالمنافقون الذين هم أكثر شرا من الكفار قالوا : لو كان نبيّا لما قتل ، ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم . أما الذين آمنوا إيمانا ضعيفا فقالوا : سنذهب إلى ابن أبىّ ليأخذ لنا أمانا من أبي سفيان . فيقف أنس بن النضر قائلا : اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - أي المنافقون - وأعتذر إليك مما يقول هؤلاء - أي ضعاف الإيمان - . لقد وزعها بالحق ؛ فهو يبرأ إلى اللّه من قول المنافقين الذين قالوا : إنهم سيعودون إلى دينهم القديم ، ويعتذر ويستغفر عن ضعاف الإيمان . ويقول سبحانه : « وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً » . لماذا ؟ لأن اللّه أزلا وقبل أن يخلق شيئا من خلقه له كل صفات الكمال ، إذن فأي صفة من صفات الكمال لم تطرأ عليه - سبحانه - من خلقه ، إنه - سبحانه - أوجد الكون بما فيه الخلق لأنه قادر ، وأوجده لأنه حكيم ، وأوجده لأنه عالم ، إذن فخلق الخلق لم يزد اللّه صفة من صفاته ، فحين خلقكم وصنعكم أعطى لكم المنهج لتكونوا خلقا سويا . إذن فالمصلحة تعود علينا نحن الخلق ، فكان يجب أن تنظروا إلى المناهج التي تأتى من اللّه على أنه لا نفع فيها للّه ، ولكن النفع فيها عائد عليكم . ولذلك فمن يلحظ هذه ، فهو يعرف أن ربنا يستحق الشكر على أنه كلفنا بالمنهج . ولذلك جاءت الآية من بعد ذلك لتقول : « وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ » لأن الشكر إنما يؤديه العبد على نعمة ، نعمة تمحيص وتعليم وبيان مكانة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من ربه . لقد تعلم المؤمنون أن اللّه يستحق منهم الشكر على هذه النعم . وبعد ذلك ينتقل بنا الحق إلى قضية عامة ، القضية العامة للناس جميعا هي :