محمد متولي الشعراوي
1305
تفسير الشعراوى
يصور الحالة قبل المعركة ؛ لأن اللّه لا يريد أن يتهيب طرف من طرف فلا تنشأ المعركة . لكن ما إن تبدأ المعركة حتى يقلب الحق الأمور على عكسها ، إنه ينقل الشئ من الضد إلى الضد . ونقل الشئ من الضد إلى الضد إيذان بأن قادرا أعلى يقود المشاعر والأحاسيس ، والقدرة العالية تستطيع أن تصنع في المشاعر ما تريد . لقد قلل الحق الأعداد أولا حتى لا يتهيبوا المعركة ، وفي وقت المعركة جعلهم اللّه كثيرا في أعين بعضهم البعض ، فترى كلّ فئة الطرف الآخر كثيرا ، فتتفجر طاقات الشجاعة المؤمنة من نفوس المؤمنين فيقبلون على القتال بحماسة ، وتخور نفوس الكافرين عندما يواجهون أعدادا أكثر مما يتوقعون . والحق سبحانه وتعالى يقول : قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ ( 13 ) ( سورة آل عمران ) إن هذه الآية هي خبر تبشيرى لكل مؤمن بالنصر ، وهي في الوقت نفسه خبر إنذارى لكل كافر بأن الهزيمة سوف تلحق به إن واجه الجماعة المؤمنة . فإياكم أن تقيموا الأمور بمقاييس الأسباب ، فالأسباب المطلوبة منكم هي المقدور عليها للبشر وعليكم أن تتركوا تتمة كل ذلك للقدر ، فلا تخور الفئة المؤمنة أمام عدد كثير ، ولا تغتروا معشر الكفار بأعدادكم الكثيرة ؛ فالسابقة أمامكم تؤكد أن عددا قليلا من المؤمنين قد غلب عددا كثيرا من الكافرين . ومن معاني الآية - أيضا - أن الكافرين يرون المؤمنين مثلي عدد الكافرين ، أي ضعف عددهم . ومن معانيها - ثالثا - أن الكافرين يرون المؤمنين ضعف عدد المؤمنين الفعلي . ومن معاني الآية - رابعا - أن يرى المسلمون الكافرين مثليهم ، أي مثل المؤمنين مرتين ، أي ستمائة نفر وقليلا ، وحينئذ يكون عدد الكافرين في عيون المؤمنين أقل من العدد الفعلي لهؤلاء الكافرين . إذن فما حكاية « مثليهم » هذه ؟ لقد وعد اللّه المؤمنين بنصره حين قال : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا