محمد متولي الشعراوي

1785

تفسير الشعراوى

إذن فللشهداء عند ربهم حياة لا نعرف كنهها ، ويوم نفتح عليهم قبورهم تصير أمرا محسا ، ولكن اللّه نبهنا أن الشهداء أحياء عند ربهم . وعندما نتأمل كلمة « شهداء » نجد أنها تعنى أيضا الشهادة على الحق الذي قامت من أجله المعركة ، وكل إنسان يحب الخير لنفسه ، فلو لم يعلم هؤلاء أن إقدامهم على ما يؤدى إلى قتلهم خير لهم من بقائهم على حياتهم لما فعلوا . وبذلك يكون الواحد منهم شاهدا للدعوة وشهيدا عليها . وقد ينصرف المعنى في « شهداء » إلى أنهم بلّغوا الدعوة حتى انتهت دماؤهم . ويذيل الحق الآية بقوله : « وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ » . ومعنى هذا التذييل أن المعركة يجب أن تدور في إطار الحق ، ومثلما قلنا : ما دام الناس متخلفين عن المنهج فإن اللّه لا يظلمهم بل ستدور المعركة صراع بشر لبشر ، والقادر من الطرفين هو الذي يغلب . فالحق سبحانه بالرغم من كراهيته للكفر إلا أنه لا يحابى المسلم الذي لا يتمسك بمطلوب الإيمان ؛ لذلك قد يغلب الكافر المسلم الذي لا يتمسك بمطلوب الإيمان ، ولكن إن تمسك المؤمنون بمطلوب الإيمان فالنصر مضمون لهم بأمر اللّه . وبعد ذلك يقول الحق : وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ( 141 ) والتمحيص يختلف عن المحق ، لأن التمحيص هو تطهير الأشياء وتخليصها من العناصر الضارة ، أما المحق فهو الذهاب بها كلها . ويقول الحق بعد ذلك : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ( 142 )