محمد متولي الشعراوي
1781
تفسير الشعراوى
وليس المقصود بالأيام ما هو معروف لدى الناس من أوقات تضم الليل والنهار ، ولكن المقصود ب « الأيام » هنا هو أوقات النصر أو أوقات الغلبة . ويقال أيضا : « يوم فلان على فلان » إذن « وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ » لم تتضمن المداولة بين المؤمنين والكافرين ، ولكنها مداولة بين الذين مالت أبصارهم إلى الغنائم فتخلخل إيمانهم ، ففازت قريش ظاهريا . فلو ظللتم على إيمانكم لما حدث ذلك أبدا . لكنكم تخليتم عن منهج ربكم ، وبذلك استويتم وتساويتم مع غير المؤمنين ، وبذلك تكون الأيام لذلك مرة ولهذا مرة أخرى ، إنها مطلق عدالة . علينا أن نتذكر الشرط السابق ، لا لعدم الهزيمة . بل للعلو والنصر : « وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » . إن الحق سبحانه في مسألة مداولة الأيام ينبه المؤمنين الذين تخلخل إيمانهم : مادمتم اشتركتم معهم في كونكم مجرد « أناس » فيصبح النصر يوما لهم ويوما لكم ، والذكي العبقرىّ الفطن الذي يحسن التصرف هو من يغلب ؛ لأن المعركة هنا تدور بين قوة بشر مقابل قوة بشر . وما دام المسلمون قد تخلوا عن منهج اللّه فقد صاروا مجرد بشر في مواجهة بشر . ولذلك قلنا : إنه عندما تخلى الرماة عن إنفاذ أمر القائد الأعلى سيدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ظهرت عبقرية خالد بن الوليد على عبقرية المقاتلين المسلمين . ويجب أن نلحظ في قوله الحق : « وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ » أننا لا يمكن أن نقول : إن مداولة الأيام تكون بين المؤمنين والكافرين ، إنما هي بين الناس ؛ لأن الناس هم مجموعة الإنسان ، فإن تجردوا عن منهج السماء فهم سواسية ، وصاحب الحيلة يغلب ، أو صاحب القوة يغلب ، أو صاحب العدد أو العدّة يغلب . ولكن ما الذي يعوض كل تلك الإمكانات ويحقق النصر ؟ إنك إن تأخذ اللّه في جانبك فلن يجرؤ مخلوق أن يكون في مواجهة الحق في معركة . لقد قلنا قديما وعلينا أن نعيها جيدا : إن الولد الصغير حينما يضطهده زملاؤه فيلجأ إلى حضن أبيه ، عندئذ ينصرف كل منهم إلى حاله ، لكن أقرانه يستطيعون أن يهزموه عندما يبتعد