محمد متولي الشعراوي

1347

تفسير الشعراوى

وأولو العلم أيضا مخلوقون بالقسط ؛ لأن اللّه قد وزع حركة الحياة على الناس ، فناس يعملون بعقولهم ، وآخرون يعملون بقلوبهم ، وقوم غيرهم يعملون بجوارحهم ، فهذا هو لون من عدل اللّه ، وإلا ، فهل يدعى أحد أن إنسانا تتجمع فيه كل المواهب التي تتطلبها الحياة . لا ، وهذه من عدالة الرحمن . إن من عدالة الحق أنه وزع المواهب بين البشر ، فبدلا من أن يعتمد الإنسان على نفسه في صناعة الملبس والمأكل ، والمشرب ، جعل اللّه المهارات موزعة بين البشر . . فأتقنت مجموعة من البشر حرفة الزراعة لإنتاج الطعام الذي يكفيهم ، ويسد حاجة غيرهم ، وكذلك تبادلوا مع غيرهم المنافع ، فالإنسان - بمفرده - لا يستطيع أن يزرع القطن ويجمعه ويغزله وينسجه ؛ ليلبس ، والإنسان لا يستطيع أن يزرع القمح ويحصده ثم يطحنه ثم يخبزه . إن اللّه لم يخلق الناس ليقوم كل فرد بإشباع حاجات نفسه المتنوعة ، إنما وزع اللّه المواهب ، لتتداخل هذه المواهب ، ويتكامل المجتمع البشرى ، فواحد يزرع الأرض ، وثان يغزل القطن ، وثالث ينسج القماش ، ورابع يصنع الأدوات . وهذا عدل عظيم ؛ لأن الطاقة البشرية لا تقوى على أن تقوم بكل متطلبات الحياة ؛ لذلك جعل الحق هذا التنوع في المواهب ليربط الناس بالناس قهرا عن الناس ، فلم يجعل لأحد تفضلا على أحد ، فمادام واحد يعرف في مجال ، وآخر لا يعرف في هذا المجال ، فالذي لا يعرف محتاج للآخر ، وهكذا يتبادل الناس المنافع رغما عنهم . ولذلك نجد الكون متكاملا . ولينظر كل منا إلى حياته وليعددكم زاوية من زوايا العلم ، وكم زاوية من زوايا القدرات ، وكم زاوية من زوايا المواهب تلزم حتى تخدم حركة الحياة ؟ إن هذه الزوايا موزعة على الناس جميعا ليخدموا جميعا حركة الحياة . وهذا قمة العدل . وحتى يوضح لنا الحق قيمة العدل وكيفية العدالة في إقامة المحبة والاحترام بين البشر ، فلينظر الواحد منا إلى الإنسان الآخر البعيد عنه ، ويتساءل بينه وبين نفسه : أهذا الرجل البعيد عنى يعمل من أجلى ؟ وتكون الإجابة : نعم . إذن ، فعلى الإنسان عندما يرى إنسانا متفوقا في صنعة ما ، فليقل : إن تفوقه في