محمد متولي الشعراوي
1769
تفسير الشعراوى
ومن أين جاء هذا الزبد ؟ إنه يأتي من الأرض ، والأرض فيها أشياء كثيرة ، كجذور النبات وبقايا ما حمله الهواء وتتخلل هذه الأشياء مسام الأرض ، هذه الأشياء عندما توجد في المسام ، وتأتى الجذور الصغيرة لتنمو فتعوقها عن أخذ غذائها ؛ لذلك فعندما ينزل الحق الماء من السماء فإن الماء يجعل هذه الأشياء تطفو على السطح ؛ ليجعل هناك منفذا للجذور الصغيرة . وينزل اللّه المطر ليغسل التربة كلها ، ويجعل هذه الأشياء تطفو ؛ لأنها غثاء ، ويطفو الغثاء . وساعة أن يطفو الغثاء فإياك أن تفهم أن ذلك علو ، إنه علو إلى انتهاء ، كذلك فورة الباطل . إياك أنن تظن أن الزبد له فائدة ، أو أن ارتفاع الريم كان علوا على ما في القدر ، لا . إنه تطهير لما في القدر أو الإناء ، ولهذا قال الحق : « فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً » . وإن لم تذهب آثار الريم بحركة الماء التموجية فإنها ستذهب بطريقة أو بأخرى . ولننظر إلى الأشياء القذرة التي تلقى في البحر نجد أنها بعد مدة قد خرجت إلى الشاطئ . وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ( من الآية 31 سورة المدثر ) إنها تخرج على الشاطئ ويجمعها المكلفون بتنظيف الشاطئ . وإلا كيف تتم صيانة الماء ؟ إنه سبحانه يجعل الماء ينظف نفسه بحركته الذاتية . إذن فالماء عندما ينزل سيلا ، فإنه ينقى التربة من العوائق التي تعوق غذاء الجذيرات الصغيرة ، وقد لا يكتفى بعضنا بهذا المثل ، فيضرب لنا اللّه مثلا آخر : وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ( من الآية 17 سورة الرعد )