محمد متولي الشعراوي

1754

تفسير الشعراوى

أخذت كبده ومضغتها ثم لفظتها ، إذ جعلها اللّه عصيّة عليها ، قال : « ما كان اللّه ليعذب بعضا من حمزة في النار » كأنها ستذهب إلى النار ، ولو أكلتها لتمثلت في جسمها خلايا ، وعندما تدخل النار فكأن بعضا من حمزة دخل النار ، فلابد أن ربها يجعل نفسها تجيش وتتهيأ للقئ وتلفظ تلك البضعة التي لاكتها من كبد سيد الشهداء . وقد شبه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الحادثة بأنها أفظع ما لقى . إنها مقتل حمزة فقال : ( لئن أظفرنى اللّه على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم ) . وهنا جاء كظم الغيظ ليأخذ ذروة الحدث وقمته عند رسول اللّه في واحد من أحب البشر إليه وفي أكبر حادث أغضبه ، وينزل قول الحق : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ( 126 ) ( سورة النحل ) كي نعرف أن ربنا - جل جلاله - لا ينفعل لأحد ؛ لأن الانفعال من الأغيار ، وهذا رسوله فأنزل - سبحانه - عليه : « وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ » ويأتي هنا الأمر بكظم الغيظ ، وهو سبحانه يأتي بهذا الأمر في مسألة تخص الرسول وفي حدث « أحد » . وبعد ذلك يشيعها قضية عامة لتكون في السلم كما كانت في الحرب . وتكون مع الناس دون رسول اللّه ؛ لأنها كانت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . « وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ » ونعرف أن كل الأمور المعنوية مأخوذة من الحسّيات . وأصل الكظم أن تملأ القربة ، والقرب - كما نعرف - كان يحملها « السقا » في الماضي ، وكانت وعاء نقل الماء عند العرب ، وهي من جلد مدبوغ ، فإذا ملئت القربة بالماء شدّ على رأسها أي ربط رأسها ربطا محكما بحيث لا يخرج شئ ممّا فيها ، ويقال عن هذا الفعل : « كظم القربة » أي ملأها وربطها ، والقربة لينة وعندما توضع على ظهر واحد أو على ظهر الدابة فمن ليونتها تخرج الماء فتكظم وتربط بإحكام كي لا يخرج منها شئ .