محمد متولي الشعراوي

1729

تفسير الشعراوى

فحين نصر اللّه سبحانه وتعالى المسلمين « ببدر » وهم قلة ، لم يخرجوا لمعركة وإنما خرجوا لمصادرة عير . وربما ظن أناس أنهم بمجرد نسبتهم إلى اللّه وإلى الإسلام سينصرون على هذه الوتيرة ، ويتركون الأسباب فأراد اللّه أن يعلمهم أنه لا بد من استنفاد الأسباب ، إعدادا لعدة ولعدد ، وطاعة لتوجيه قائد . فلما خالفوا كان ولا بد أن يكون ما كان . والمخالفة لم تنشأ إلا بعد استهلال بالنصر ، ولذلك سيجئ فيما بعد ستون آية حول هذه الغزوة ؛ لتبين لنا مناط العبرة في كل أطوارها لنستخرج منها العظة والدرس . ونعلم أن المنتصرين عادة يكون الجو معهم رخاء . ولكن الكلام هنا عن هزيمة من لا يأخذون بأسباب اللّه ، وهذا أمر يحتاج إلى وقفة ، فجاء القرآن هنا ليقص علينا طرفا من الغزوة لنستخرج منها العبرة والعظة ، العبرة الأولى : أنّهم حينما خرجوا ، تخلف المنافقون بقيادة ابن أبىّ ، إذن فالمعركة إنما جاءت لتمحص المؤمنين . والتمحيص يأتي في الشئ الواحد ، أما التمييز فيأتي في شيئين : هذا مؤمن ، وهذا كافر ، إنما التمحيص يأتي للمؤمن ويعركه عركا ، ويبين منه مقدار ما هو عليه من الثبات ومن اليقين ، والحق إنما يمحص الفئة المؤمنة لأنها ستكون مأمونة في التاريخ كله إلى أن تقوم الساعة على حماية هذه العقيدة ، فلا يمكن أن يتولى هذا الأمر إلا أناس لهم قلوب ثابتة ، وجأش قوى عند الشدائد ، وهمة دونها زخارف الدنيا كلها . وبعد ذلك يعالج النفس البشرية في أوضاعها البشرية ، فعقائد الإيمان لا تنصب في قلوب المسلمين بمجرد إعلان الإيمان ، ولكن كل مناسبة تعطى دفعة من العقيدة يتكون بعد ذلك الأمر العقدي كله . ولذلك يبين لنا الحق أن طائفتين من المؤمنين قد همت بالتراجع ، فهم نفوس بشرية ، ولكن أنفّذت الطائفتان ذلك الهم أم رجعت وفاءت إلى أمر اللّه ؟ لقد رجعت الطائفتان . وهكذا رأينا بين الذين أعلنوا إيمانهم فئة نكصت من أول الأمر ، وفئة خرجت ثم عادت . لقد تحدثت النفوس ولكن أفراد تلك الفئة لم يقفوا عند حديث النفس بل ثبتوا إلى نهاية الأمر ، ومنهم من ثبت إلى الغاية السطحية من الأمر كالرماة الذين رأوا النصر أولا ، وهؤلاء من الذين ثبتوا ، ما فرّوا أولا مع ابن أبىّ ، وما كانوا من الطائفة التي