محمد متولي الشعراوي

1705

تفسير الشعراوى

سبحانه قد يؤجل بعض حيثيات الأحكام لخلقه قرونا طويلة ، ومثال ذلك أننا ظللنا لا نعرف علة حكم من الأحكام لمدة أربعة عشر قرنا من الزمان مثل تحريم أكل لحم الخنزير ، فهل كان على العباد المؤمنين أن يؤجلوا أكل لحم الخنزير أربعة عشر قرنا إلى أن يمتلكوا معامل للتحليل حتى نعرف المضار التي فيه ؟ تلك المضار التي ثبتت معمليا . . لا . إن العباد المؤمنين لم يؤجلوا تنفيذ الحكم ، ولكنهم نفذوه ، واكتشف أحفاد الأحفاد أن فيه ضررا ، وهذا يدفعنا إلى تنفيذ كل حكم لا نعرف له علة ، إن هذا الحكم له حكمة عند اللّه قد لا يستطيع عقل الإنسان أن يفهمها ، ولكن ستأتي أشياء توضح بعض الأحكام فيما لم يكن يعرفه الإنسان ، وتعطينا تلك الإيضاحات الثقة في كل حكم لا تعرف له علة ، وتصبح علة كل حكم هي : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » . إن الحق بهذا القول ينادى كل عبد من عباده : يا من آمنت بي إلها خذ منى هذا التكليف . ومثال ذلك - وللّه المثل الأعلى - عندما يقول الطبيب : يا من صدقت أنى طبيب لمرضك خذ هذا الدواء وستشفى بإذن اللّه . وعندما يزور الإنسان مريضا ويسأله : لماذا تأخذ هذا الدواء ؟ فالمريض يجيب : لقد كتب الطبيب لي هذا الدواء ، فما بالنا بتنفيذ أحكام اللّه ؟ إنه يجب أن ننفذها لأن اللّه قالها ، ولذلك فالعاقلون بعمق وجدية يختلفون عن مدعى العقل بسطحية ، هؤلاء العاقلون الجادون يقولون : إن هذا العقل مطية يوصلك إلى باب السلطان ولكن لا يدخل معك عليه . فكأن العقل يوصلك إلى أن تؤمن باللّه ، ولكنه لا يحشر نفسه فيما ليس له قدرة عليه . إن الحق سبحانه في هذا التكليف القادم : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ » أي إنكم مادمتم قد آمنتم ، فعليكم الحفاظ على هذا الإيمان بأن تبعدوا عنه نزغ الشيطان وكيد الأعداء . إن نزغ الشيطان وكيد الأعداء إنما يأتي من البطانة التي تتداخل مع الإنسان . ولنفهم كلمة « بطانة » جيدا ، إن بطانة الرجل هم خاصته ، أي الناس الذين