محمد متولي الشعراوي

1699

تفسير الشعراوى

إدراكه المتعددة إنما تأتى من الأمور المحسة أولا . والأمور المحسة - كما علمنا - وسائلها الحواس الخمس الظاهرة ، وهي : العين لترى ، والأذن لتسمع ، والأنف ليشم ، واللسان ليذوق ، والأنامل لتلمس ، وهكذا نعرف أن كل حاسة ظاهرة لها غاية في الإدراك . والإنسان يتمتع بحواس أخرى ندرك أعمالها ، ولكنا لا ندرك أجهزتها أو آلاتها . مثال ذلك : حاسة البعد وهي أن يعرف الإنسان هل الشئ الذي يراه قريب منه أو بعيد عنه ؟ وكذلك حاسة الثقل فيحمل الإنسان الشئ فيعرف مدى ثقله ، إنه يدرك ذلك الثقل بحاسة غير الحواس الخمس الظاهرة ، هذه الحاسة هي حاسة الثقل يكتشف بها الإنسان أن شيئا أثقل من شئ آخر ؛ ذلك أن العضلات التي تحمل الشئ تعرف قدر الجهد المبذول في الحمل . وهناك حاسة أخرى غير ظاهرة هي حاسة « البين » فيمسك الإنسان القماش بأنامله ليعرف هل سمك هذا القماش أكبر من سمك قماش آخر ؟ ولمعرفة سمك الشئ لا بد أن يكون واقعا بين لامسين . إذن فهناك حواس كثيرة تربى المعاني عندنا ؛ فكل الإدراكات بنت الحس ، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 78 ) ( سورة النحل ) هذه هي الوسائل للإدراك ، وقد أورد سبحانه السمع والأبصار أولا لأنهما الوسيلتان الأساسيتان ، وأورد من بعد ذلك « الأفئدة » وهي المختصة بالمعاني والقلبيات وغيرها ، فإذا أراد اللّه أن يضرب مثلا في أمر معنوي قد تختلف فيه العقول فهو سبحانه يأتي بأمر حسىّ تتفق فيه الحواس . ونعلم أن في اللغة أمرا اسمه « التشبيه » ، فعندما يجهل إنسان شيئا يقول لمعلمه : شبه لي الأمر الذي أجهله بأمر أعرفه . والإنسان منا قد يسأل صاحبه : أتعرف فلانا ؟ فيقول الصاحب : لا أعرفه ، فيقول الإنسان منا لصاحبه : إن فلانا الذي لا تعرفه يساوى فلانا في الطول ، ويساوى فلانا في اللون . وهكذا ينتقل الإنسان من أمر