محمد متولي الشعراوي

1691

تفسير الشعراوى

وهو سبحانه : هنا يقول « وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ » أي كلما لمحت لهم بارقة في الخير فهم يسرعون إليها ، أي أنهم يتقدمون فيما ينبغي التقدم فيه ، إنهم يعلمون أن الإسراع إلى الخير حدث ، وكل حدث يقتضى حركة ، والحركة تقتضى متحركا ، والمتحرك يقتضى حياة ، فما الذي يضمن للإنسان أن تظل له حياة ، لذلك يجب أن تسرع إلى الخيرات ، وسيدنا عمر بن عبد العزيز رضى اللّه عنه وأرضاه كان ينام القيلولة ، وكان حاجبه يمنع الناس من إيقاظ الخليفة ، فجاء ابن عمر بن عبد العزيز وقال للحاجب : أريد أن أدخل على أمير المؤمنين الساعة ، فمنعه الحاجب قائلا : إنها ساعة يستريح فيها وهو لا يستريح من الليل أو النهار إلّا فيها ، فدعه ليستريح . وسمع سيدنا عمر بن عبد العزيز الضجة ، فسأل الحاجب . قال الحاجب : إنه ابنك ، ويريد أن يدخل عليك وأنا أطالبه ألا يدخل حتى تستريح . قال عمر بن عبد العزيز للحاجب : دعه يدخل . فلما دخل الابن على أبيه ، قال الابن : يا أبى بلغني أنك ستخرج ضيعة كذا لتقفها في سبيل اللّه . قال عمر بن عبد العزيز ؛ أفعل إن شاء اللّه . غدا نبرمها . قال الابن متسائلا : هل يبقيك اللّه إلى غد ؟ فقال عمر بن عبد العزيز وهو يبكى : الحمد للّه الذي جعل من أولادي من يعينني على الخير . لقد أراد الابن من أبيه أن يسارع إلى الخير ، فمادامت هبة الخير قد هبّت عليه فعلى الإنسان أن يأخذ بها ؛ لأن الإنسان لا يدرى أغيار الأحداث في نفسه ، لذلك فعليه أن يسارع إلى اقتناص هبة الخير ، وها هو ذا ابن عمر بن عبد العزيز يعين والده على الخير ، لكننا في زماننا قد نجد من الأبناء من يطلب الحجر على أبيه إن فكر الأب في فعل الخير ، متناسين قول الحق : « وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ » . وهنا يبرز سؤال هو : لأي عمل هم صالحون ؟ والإجابة تقتضى قليلا من التأمل . إننا نقول في حياتنا : « إن فلانا رجل صالح » ومقابله « رجل طالح » . والإنسان صالح للخلافة ، فقد جعل اللّه آدم وذريته خلفاء في الأرض ، والرجل الصالح يرى الشئ الصالح في ذاته فيترك هذا الشئ على ما هو عليه أو يزيده صلاحا . أما الرجل الطالح أو المفسد فهو يأتي إلى الشئ الصالح فيفسده ، ولا يفعل صلاحا .