محمد متولي الشعراوي

1687

تفسير الشعراوى

وهذا ما حدث بالفعل ، لكن أي آيات للّه كانوا يتلونها ؟ إنها الآيات المهيمنة ، آيات القرآن ولماذا يقول الحق : « وَهُمْ يَسْجُدُونَ » وهل هناك قراءة للقرآن ساعة السجود ؟ حتى نعرف تفسير ذلك لا بد لنا أن نعرف أن اليهود لا يصلون العتمة ، أي الصلاة في الليل ، وحتى يعطيهم اللّه السمة الإسلامية قال عنهم : « يسجدون » ويعرّفهم بأنهم يقيمون صلاة العتمة ، - العشاء - وهي صلاة المسلمين ، وما داموا يصلون صلوات المسلمين ويسجدون ، إذن فهم مسلمون أو نفهم من قوله : « وَهُمْ يَسْجُدُونَ » أن الصلاة عنوان الخضوع ، والسجود أقوى سمات الخضوع في الصلاة . وما داموا يصلون فلابد أنهم يتلون آيات اللّه آناء الليل وهم يؤدون الصلاة بخشوع كامل . ونعرف أن من حسن العبادة في الإسلام ، ومن السنن المعروفة قراءة القرآن ليلا ، وصلاة التهجد ، وهذه في مدارج العملية الإيمانية التي يدخل بها الإنسان إلى مقام الإحسان . و « آناء » جمع « إني » مثلها مثل « أمعاء » جمع « معي » . و « الآناء » هي مجموع الأوقات في الليل ، وليست في « إني » واحد . فهناك مؤمن يقرأ القرآن في وقت من الليل ، ومؤمن آخر يقرأ القرآن في وقت آخر ، وكأن المؤمنين يقطعون الليل في قراءة للقرآن ، والذي يدخل مع ربه في مقام الإحسان ، فهو لا يصلى فقط صلاة العتمة وهي ستأخذ « إنّى » واحدا ، أي وقتا واحدا ، ولكنه عندما يصلى في آناء الليل فذلك دليل على أنه يكرر الصلاة ، وزاد عن المفترض عليه ، وما دام قد زاد عن المفترض ، فهو لا يكتفى بتلاوة القرآن لأنه يريد أن يدخل في مقام الإحسان ، أي أنه وجد ربه أهلا لأن يصلى له أكثر مما افترض عليه ، كأنه قد قال لنفسه : أنت كلفتنى يا رب بخمس صلوات لكنك يا رب تستحق أكثر من ذلك وكأن هذا البعض من أهل الكتاب لم يكتفوا بإعلان الإيمان بالإسلام فقط ، ولكنهم دخلوا بثقلهم ، فصلوا آناء الليل . وأحبوا أن ينطبق عليهم قول اللّه تعالى : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 15 ) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ ( 16 ) ( سورة الذاريات ) ما معنى « محسن » ؟ إنها وصف للإنسان الذي آمن بربه فعبد اللّه بأكثر مما افترض