محمد متولي الشعراوي

1683

تفسير الشعراوى

ثم يصب المادة في ذلك القالب ، وتخضع للقالب فتبرز الكتابة والصور ، ولا تتأبى المادة على القالب . كأن « ضرب » معناها « ألزم » بالبناء للمجهول فيهما ، وكأن المادة المصنوعة تلزم القالب الذي تصب فيه ولا تتأبى عليه ولا يمكن أن تتشكل إلّا به . إذن فالضرب معناه الإلزام والقسر على الفعل . وعندما يقول الحق : « ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ » أي لزمتهم الذلة لا يستطيعون الانفكاك عنها أبدا ، كما لا يستطيع المعدن المضروب نقدا أن ينفك عن القالب الذي صك عليه ، وكأن الذلة قبة ضربت عليهم ، وقالب لهم ، وقول الحق : « أَيْنَ ما ثُقِفُوا » تفيد أنهم أذلاء أينما وجدوا في أي مكان . ولكن هناك استثناء لذلك ، ما هو ؟ إنه قول الحق : « إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ » إنهم لا يعانون من الذلة في حالة وجود عهد من اللّه أو عهد من أناس أقوياء أن يقدموا لهم الحماية . فلما كانوا في عهد اللّه أولا وعهد رسوله ساعة دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة وأعطاهم العهد ، فكانوا آمنين ، ولما خانوا العهد ، ولم يوفوا به ؛ ماذا حدث ؟ ضربت عليهم الذلة مرة أخرى . إذن لقد كانوا في عهد اللّه آمنين لكنهم خانوا العهد ، وانقطع حبل اللّه عنهم ، فهيجوا الهيجة التي عرفناها ونزل بهم ما نزل ، وهو ما حدث لبنى قينقاع ولبنى النضير وبني قريظة ويهود خيبر . إذن فهم قبل ذلك كانوا في عهد مع اللّه . وأنتم تعرفون أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أول ما نزل المدينة بنى المسجد وعقد العهد بينه وبين اليهود وعاشوا في اطمئنان إلى أن خانوا العهد ، فضربت عليهم الذلة . وطردوا من المدينة ، كما يقول الحق : « ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ » . لقد أخذوا العهد من اللّه من خلال من له الولاية على الناس ، فالرسول في عهده كان قائما على أمر المسلمين ، وكذلك يكون الأمر معهم في ظل القائمين على أمر الإسلام ، ويحدث هذا عندما تسير الأمور بمنهج الإسلام .