محمد متولي الشعراوي
1338
تفسير الشعراوى
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( من الآية 282 من سورة البقرة ) فكأنك قبل التقوى لم يعلمك اللّه ، أما بعد التقوى فإن اللّه يعلمك ، فتقبل على تنفيذ التكليف لتلمس إشارة في نورانية نفسك ، وهذا هو الفارق بين الأمر من المساوى ، والأمر من الأعلى . وعندما ترتقى كلمة « الأعلى » ، فإنها لا تنطبق إلا على الأعلى المطلق وهو اللّه ، إنه الأعلى في الحكمة ، والأعلى في المنزلة ، والأعلى في المكانة ، والأعلى في الربوبية . إذن ، فالإنسان لا يطلب علة حكم إلا من مساو له ، فإن قال لك أحد من البشر : افعل الشئ الفلاني . فإنك تسأله : لماذا ؟ فإن أقنعك ، فأنت تقوم بالفعل . وتكون قد قمت بتنفيذ هذا الفعل ؛ لأن المساوى لك قد أقنعك بالحكمة لا بالطاعة له . ولكن عندما يصدر الأمر من الأعلى وهو الحق سبحانه وتعالى ، فإنك أيها العبد المؤمن تنفذ الأمر فورا عشقا في طاعته . والمثال الذي أضربه للتقريب لا للتشبيه ، فاللّه الأعلى ، وهو منزه عن كل شبيه ، إن الأب يقول للابن في حياتنا اليومية : إن نجحت في المدرسة فسأحضر لك هدية هي الدّراجة . فهل معنى ذلك أن علة الذهاب إلى المدرسة هي الحصول على الدراجة كهدية ؟ لا ، ليست هذه هي العلة ، إن العلة عند الأب هي أن يتعلم الابن ويتفوق في حياته ، ويكبر ، وعند ذلك يدرك العلة ، ويقول لنفسه : لقد كان أبى على حق . إذا كان هذا يحدث في الحياة بيننا نحن البشر ، فكيف لنا بطاعة الأمر الصادر من اللّه ؟ إن الحق سبحانه وتعالى حين يكلف العبد تكليفا ، فإن العبد قد يجد مشقة في فهم العلة . والعبد المؤمن يعرف أن الرضوخ لتكليف الحق إنما هو خضوع للأمر الأعلى . إن العبد المؤمن يعرف أنه آمن بمن هو أعلى منه وأعلى من كل كائن ، ولا يساويه أحد ، إن العبد المؤمن يعرف أنه آمن أولا بأن اللّه هو الإله الواحد - سبحانه - له مطلق