محمد متولي الشعراوي
1671
تفسير الشعراوى
ومرة أخرى يقول : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 175 ) ( سورة النساء ) ما الفرق بين الاثنين ؟ إن الناس في العبادة صنفان : منهم من يعبد اللّه ويريد نعيم الجنة ، فيعطيه اللّه الجنة جزاء لعبادته ولعمله الصالح . وآخر يعبد اللّه ؛ لأن اللّه يستحق العبادة ولا تمر الجنة على باله ، وهذا ينال ذات الرحمة ، إنه ينال لقاء وجه اللّه . وما الفرق بين الجنة والرحمة ؟ إن الجنة مخلوقة للّه ، فهي باقية بإبقاء اللّه لها ، ولكن الرحمة باقية ببقاء اللّه ، وهذا ضمان كاف ، فمن يرى اللّه فيه حسن العبادة لذاته - سبحانه - يضعه اللّه في الرحمة . وقلنا من قبل : إن هناك جنة من الجنات اسمها « عليّون » ليس فيها متعة من المتع التي سمعنا عنها في الجنة ، كلحم الطير وغير ذلك ، وليس فيها إلا أن ترى اللّه . وما دام العبد لا يأكل عن جوع في الآخرة ، فما الأفضل له ، جنة المتع ، أو متعة رؤية وجه اللّه ؟ أتتمتع بالنعمة أم بالمنعم ؟ لا جدال أن التمتع برؤية المنعم أرقى وأسمى من التمتع بالمتع الأخرى . والدقة الأدائية في القرآن توضح لنا أن الرحمة تكتنف هؤلاء العباد الصالحين ، وتحيط بهم ، إنهم ظرف للرحمة وداخلون فيها فلا تمسهم الرحمة فقط ، ولكن تحيط بهم ، وهم خالدون فيها ، ويؤكدها الحق بظرفية جديدة بقوله : « هُمْ فِيها خالِدُونَ » فكأن هناك رحمة يدخل فيها العباد ، ثم يطمئننا على أنها لا تنزع منا أبدا . ف « فيها » الثانية للخلود ، « وفي » الأولى للدخول في الرحمة . وبعد ذلك يقول الحق سبحانه :