محمد متولي الشعراوي
1653
تفسير الشعراوى
المستبعد أن يكفر المؤمنون وكتاب اللّه يتلى عليهم ، ورسول اللّه فيهم . ويجئ من بعد ذلك الدعوة إلى الاعتصام باللّه ، ومعنى الاعتصام : التمسك ، ولا يتأتى إلا في علو ، فيقال : « اعتصمت بحبل الإيمان » لأن للإنسان ثقلا ذاتيا ، هذا الثقل الذاتي إن لم يرفعه سواه ، فإنه يقع بالإنسان . وهذا لا ينشأ إلا إذا كان الإنسان معلقا في الجو ويمسك بحبل ولا يوجد من يدفعه إلى أسفل ، بل الإنسان بثقله الخاص يهبط إلى الأرض . فمن يعتصم باللّه ويمسك بحبل الإيمان فإنه يمنع نفسه من الهوىّ والسقوط . وهنا نشعر أن الاعتصام باللّه هو أن نتبع ما تلى علينا من الآيات ، وما سنه لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . إذن فباب الاعتصام هو كتاب اللّه وسنة رسوله ، وكذلك كان وجود الرسول بين أظهرهم هو الأمر الضروري ، لأنهم كانوا منغمسين في حمأة الجاهلية ، فلابد أن توجد إشراقة الرسول بينهم حتى تضئ لهم ، فيروا أن اللّه قد أخرجهم من الظلمات إلى النور . ولم يقبض الحق رسوله إلا بعد أن أكمل لنا الدين ، وأتم علينا النعمة ورضى لنا الإسلام دينا . قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلم : ( تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب اللّه وسنتي » « 1 » . هكذا نرى أن وجود آيات اللّه ، وسنة رسول اللّه هي العاصم الذي يهدى إلى صراط مستقيم . والهدى كما نعرف هو ما يوصل إلى الغاية المرجوة ، فهب أن غايتك أن تذهب إلى مكان معين فالذي يوصلك إلى ذلك المكان هو هدى ، وكل ما يدل إنسانا على الموصل للغاية اسمه هدى . والحق سبحانه وتعالى خلق الخلق جميعا ، وجعل بعض الخلق مقهورا ، وبعض الخلق مخيرا . والمقهور من خلق اللّه هو كافة المخلوقات في الكون ما عدا الإنسان . إلا في بعض أموره فإنه مقهور فيها أيضا ولذلك قلنا : إن كل ما عدا الإنسان من خلق اللّه يؤدى مهمته كما طلبت منه ، فما امتنعت الشمس أن تشرق على الناس يوما ، ولا امتنعت الريح أن تهب ، ولا امتنعت السماء عن أن تمطر ، ولم تقل الأرض للإنسان إنك
--> ( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة .