محمد متولي الشعراوي
1647
تفسير الشعراوى
إنه سبحانه قال ذلك مع أنه قد قال : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ( من الآية 18 . سورة فاطر ) إن الذي لا يحمل وزرا مع وزره هو الضال الذي لم يضل غيره ، فهذا يتحمل إثمه فقط . أما الذي يحمل وزر نفسه ، ووزر غيره فهو الضال المضل لغيره ، وهنا يسألهم الحق سبحانه وتعالى على لسان رسوله : « لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ » . كأنه يقول لهم ماذا تريدون من الدين الذي يربط العبد بربه ؟ . إنكم لا تريدونه دينا قيما ، إنكم تريدونه دينا معوجا ، والمعوج عن الاستقامة إنما يكون معوجا لغرض ؛ لأن المعوج يطيل المسافة . إنّ الذي يسير في طريق مستقيم ما الذي يدعوه إلى أن ينحرف عن الطريق المستقيم ليطيل على نفسه السبيل ؟ . إن كان يريد الغاية مباشرة فإنه يفضل الطريق المستقيم . أما الذي ينحرف عن الطريق المستقيم فهو لا يبغى الغاية المنشودة ، بل يطيل على نفسه المسافة ، وقد لا يصل إلى الغاية . والحق يقول : « لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً » وساعة تسمع « عوجا » فإننا قد نسمعها مرة « عوج » بفتح العين . ومرة نسمعها « عوج » بكسر العين . حين نسمعها « عوج » بفتح العين ، فالعوج هو للشئ الذي له قيام ، كالحائط أو الرمح ، أما « العوج » بكسر العين فهو في المعاني والقيم ، لذلك يقول لهم الحق عن انحرافهم في المعاني والقيم : « تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ » . إن الحق يبلغهم : أنتم تبغون الدين عوجا برغم أنكم شهداء على أن ما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم هو الحق ، إنه جاء مبلغا بالصدق ، وكنتم تبشرون برسالة محمد ، وكنتم تستفتحون على الذين أشركوا من أهل مكة وتقولون : سيأتي نبي نتبعه ثم نقتلكم معه قتل عاد وإرم . أنتم - يا أهل الكتاب - شهود على صدق هذا الرسول . لقد ارتكبوا سلسلة من المعاصي ؛ هم ضلوا وجهدوا أن يضلوا غيرهم . ويا ليت