محمد متولي الشعراوي

1633

تفسير الشعراوى

في الإنسان « الأخنف » أو المصاب بزكام ، إنه ينطق « الميم » كأنها « باء » . والميم و « الباء » حرفان قريبان في النطق ، والألفاظ منهما تأتى قريبة المعنى من بعضها . ولننظر إلى اشتقاق « مكة » واشتقاق « بكة » . إننا نقرأ « بكّ المكان » أي ازدحم المكان ، وهكذا نعرف من قوله الحق : « إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً » أي أنه مكان الازدحام الذي يأتي إليه كل الناس وكل الوفود لتزور بيت اللّه الحرام ، ولا أدل على ازدحام البيت الحرام من أن الرجال والنساء يختلط بعضهم ببعض ، والإنسان يطوف بالبيت الحرام ، ولا يدرى أنه يسير وقد يلمس امرأة أثناء الطواف . و « بكة » هي المكان الذي فيه الطواف والكعبة ، أي هي اسم مكان البيت الحرام ، و « مكة » اسم البلد كلها الذي يوجد به البيت الحرام . و « مَكَّةَ » مأخوذة من ماذا ؟ إن « مكة » مأخوذة من « مك الفصيل الضرع » أو « أمتك الفصيل الضرع » ، أي امتص كل ما فيه من لبن ، والفصيل كما نعرف هو صغير الإبل أو صغير البقر . وما دام الفصيل قد امتص كل ما في الضرع من لبن فمعنى هذا أنه جائع ، ومكة كما نعرف ليس فيها مياه ، والناس تجهد وتبالغ في أن تمتص المياه القليلة عندما تجدها في مكة . وفي كلمة « مباركا » نجد أنها مأخوذة من « الباء والراء والكاف » والمادة كلها تدور حول شئ اسمه الثبات ، فهل هو الثبات الجامد ، أم الثبات المعطى النامي الذي مهما أخذت منه فإنه ينمو أيضا ؟ إننا في حياتنا اليومية نقول : « إن هذا المال فيه بركة . مهما صرفت منه فإنه لا ينتهى » ، أي أنه ثابت لا يضيع ، ويعطى ولا ينفد . وكلمة « بركة » في حياتنا تعنى أنها تجمع الماء تأخذ منها مهما تأخذ فيأتي إليها ماء آخر . وكلمة « تبارك اللّه » تعنى « ثبت الحق » ولم يزل أزلا ولا يزال هو واحدا أحدا ، إنه الثبوت المطلق . وهكذا نجد أن الثبات يأتي في معنى البيت الحرام . إن البيت الحرام مبارك أبدا « كيف » ؟ أليست تضاعف فيه الحسنة ؟ وهل هناك بركة أحسن من هذه ؟ وهل هناك بركة أفضل من أنه بيت تجبى إليه ثمرات كل شئ ولا تنقطع ؟ فقديما كان الذاهب إلى البيت الحرام يأخذ معه حتى الكفن ، ويأخذ الإبرة والخيط ، والملح ، والآن فإن الزائر لبيت اللّه الحرام يذهب ليأتي بكماليات