محمد متولي الشعراوي

1626

تفسير الشعراوى

الإنسان أن يطبق تشريعات اللّه ، ولما استطاع أن يؤدى هذه التشريعات ، ولما استطاع أن يطيع اللّه بجوارحه ؛ فالإنسان بغير قالب لا يستطيع أن يؤدى الحركة المطلوبة . إذن فلابد للقالب الإنسانى - البدن - في التشريع من عملية أخرى وهي أن ينصب القالب ويكون له عمل حين يتوجه إلى بيت واحد للّه ، وبذلك يصبح للقالب نصيب في العبادة أيضا . ولهذا كان لا بد أن يوجد للقالب - أيضا - متّجه وهذا المتّجه يحكم القالب نفسه ، فكان المؤمن المسلم محكوما قلبا وقالبا ، فحين نأتى للصلاة لنكون في حضرة اللّه نتحرى أن يكون قالبنا متجها إلى المكان الذي أمرنا اللّه أن نتوجه إليه ، لماذا ؟ لأن الحق سبحانه وتعالى ساعة يعطى رحمته وبركته وتنزلاته وإشراقاته يريد أن يكون الجسم في وضع مؤهل لاستقبال هذه التجليات ؛ ولذلك كان لا بد أن يكون للّه بيت يتجه إليه الجميع حتى يعطى للتدين وحدة ، فكما أعطى الحق لموكب الرسالات وحدة ، فإنه يعطى أيضا وحدة في القالب الإنسانى والمتجه ، وكل مكان يعبد اللّه فيه بالنسبة للإسلام يعتبر مسجدا ، وقد يسر اللّه الأمر على أمة سيدنا محمد ، فقال - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا » « 1 » . وكان لقاء اللّه وعبادته في الديانات السابقة يقتضى مكانا محددا ولكن قد وسع رحمته على أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . إن تراب الأرض طهور ، إننا عندما نفتقد الماء الطهور فإن التراب الذي قد يبدو للوهلة السطحية أنه سبب في عدم النظافة قد جعله اللّه لنا طهورا . إن الإنسان يمكنه أن يتيمم ويتطهر بالتراب ، وكأن اللّه قد أراد أن يكون لقاء كل فرد من أمة محمد به ميسرا تيسيرا كبيرا . وكل مكان نعبد فيه اللّه ويسجد فيه المسلم للّه يصير مسجدا .

--> ( 1 ) هذا جزء من حديث شريف أخرجه الإمام البخاري في صحيحه ، والإمام مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة ، والإمام أحمد في مسنده وغيرهم من أصحاب السنن .