محمد متولي الشعراوي
1623
تفسير الشعراوى
وقد عرفنا من قبل أن كلمة « حنيفا » تعنى الذي يسير على خط مستقيم ، ويتبع منهجا قويما ومستويا ، ونحن نسمى ملتنا « الحنيفية السمحاء » ومع ذلك فالحنف هو ميل في الساقين ، اليمين مقوسة إلى اليمين ، واليسار مقوسة إلى اليسار ، فكيف إذن نقول عن الدين الحق الهادي لمنهج اللّه وشريعته : إنه حنيف ؟ لقد قلنا : إن السماء لا تتدخل بإرسال الرسل إلا حين يعم الفساد ، وما دام الفساد قد عم فإن الذي يميل منحرفا عن الفساد هو الذي اهتدى إلى الصراط المستقيم ، فالحنيف معناه مائل عن الفساد ، فالمائل عن المعوج معتدل ، « قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » . « صَدَقَ اللَّهُ » نعم ؛ لأن الصدق هو أن يطابق القول ما وقع فعلا ، وحين يتكلم الحق وهو العليم أزلا فما الذي يحدث ؟ لابد أن يوافق الواقع ما يقوله سبحانه وتعالى فليس من المعقول أن يتكلم اللّه كلاما يأتي على لسان رسول ، أو على لسان أتباع الرسول ، وبعد ذلك يأتي واقع الحياة فينقض قول الحق ويخالفه ، إن الحق العليم أزلا ينزل من الكلام ما هو في صالح الدعوة إلى منهجه . إذن فحين يطلق اللّه قضية من قضايا الإيمان فإنه - سبحانه - عليم أزلا أنها سوف تحدث على وفق ما قال ، وإن كان الظرف الذي قيلت فيه لا يشجع على استيعابها وفهمها . إن المؤمنين كانوا في أول الأمر مضطهدين ، ومرهقين وإن لم يكن للواحد منهم عشيرة تحميه فإنه يهاجر عن البلاد ، وإن لم يستطع الهجرة فإنه يعذب ويضطهد . وفي هذه الفترة الشديدة القاسية وفي قمة اضطهاد المؤمنين ينزل القول الحق : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ( 45 ) ( سورة القمر ) وعندما يسمع سيدنا عمر عليه رضوان اللّه هذا القول يتساءل : أي جمع هذا ؟ إن الواقع لا يساعد على هذا ، ثم جاءت بدر ، وهزم المؤمنون الجمع وولوا الدبر ، وهذا دليل على أن اللّه قد أطلق قضية وضمن أنها ستحدث كما قال وكما أخبر ، وهذا مطلق الصدق . إن الإنسان يمكنه أن يستبعد الصدق لو أن الذي قال غير الذي