محمد متولي الشعراوي

1620

تفسير الشعراوى

الإنسانية : إن في النفس الإنسانية ملكة تستقبل ، فتتحرك ملكة أخرى ، وحين يقول الحق : « كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ » فالذين يسمعون هذا سينفعلون انفعالات مختلفة ، فالشبعان من الناس لن يلتفت إلى هذه المسألة بانتباه بالغ ، ومن عنده بعض الطعام فإن نفسه قد تتحرك إلى ألوان أخرى من الطعام ، أما من ليس عنده طعام فلسوف يلتفت بانتباه شديد ليتعرف على الحلال من الطعام والحرام منه . إذن فقبل أن يأتي اللّه بالحكم الذي يحلل ويحرم ، هذا الحكم الذي يثير عند الجائع شجن الافتقار وشجن ذكر الطعام الذي يسيل له لعابه ، إن الحق قبل أن يحرك معدما على غير موجود معه ، فإنه يحرك معطيا على موجود معه ، لذلك فقبل أن يأتي الحق سبحانه ويذكر الطعام ، وقبل أن يقلب الأمر على النفس الإنسانية التي لا تجد طعاما ، نجد الرسول قد نطق قبلها بما أنزله عليه الحق « لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ » . فبتداعى المعاني في النفس الإنسانية يكون - سبحانه - قد حرك ملكة واجدة ومالكة قبل أن يحرك ملكة معدمة . وهكذا يكون التوازن الذي أراده اللّه في الكون المخلوق له . إنه رب يحكم كونه ، فلا ينسى شيئا ويذكر شيئا . « لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى ، » إن كل شئ في علمه كما قدّره وهو الخلاق القدير العليم ، وهو لا يذكر بعضا من الخلق ، وينسى بعضا آخر ، فهو قد كتب العدم لحكمة ، وأعطى النعمة لحكمة . لقد جعل الفقير عبرة ، ولكنه لم يتركه ، وذلك حتى يرى كل إنسان أن القدرة على الكسب ليست إلا عرضا زائلا ، فمن الممكن أن يصبح القادر الآن عاجزا بعد دقائق أو ساعات ، ومن الممكن أن يصبح القوى ضعيفا ، فإذا ما علم القوى أو القادر ذلك فإنه يتحرك إلى إعطاء الآخرين ؛ حتى يضمن لنفسه التأمين الإلهى لو صار ضعيفا ، فيعطيه الأقوياء ، فعندما يأمر اللّه الأقوياء بأن يعطوا وينفقوا فإن عليهم أن يستجيبوا ؛ لأن الواحد منهم لو صار ضعيفا فسوف يأخذ . إذن فقول الحق سبحانه وتعالى : « لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ » هذا القول قد خدم قضية سبقتها ، وهي أنه لن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به ، ما دام كافرا ، إنها نفقة مرفوضة لا اعتبار لها ، إنها هدر . ويأتي من بعد ذلك بتحديد النفقة التي ليست هدرا ، ثم يفضح اليهود بقضية توجد عندهم في التوراة