محمد متولي الشعراوي
1615
تفسير الشعراوى
فقال له : إني مشغول ، فأخرج إلى إبلي فاختر خيرها لنذبحه لضيافتك . فخرج الضيف ، ثم عاد وفي يده ناقة مهزولة ، فلما رآها أبو ذر قال : خنتنى ، قلت لك هات خير الإبل ، قال الضيف : يا أبا ذر لقد رأيت خيرها فحلا لك وقدرت يوم حاجتكم إليه . فقال أبو ذر : إن يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي . إن الصحابي الجليل أبا ذر يعرف أن يوم أن يوضع في الحفرة هو اليوم الجليل الذي يستحق من المرء أن يستعد له . وسيدنا ابن عمر كان عنده جارية جميلة من فارس ، وكان يحبها ، فلما سمع الآية ، قال : ليس عندي أحب إلىّ من هذه الجارية ، وأعتقها ، وكان من الممكن أن يتزوجها بعد أن أعتقها لكنه قال : لولا أن ذلك يقدح في عتقها لتزوجتها . وسيدنا أبو ذر رضى اللّه عنه يعطينا في مسألة الإنفاق درسا من أروع الدروس المستوعبة للملكة النفسية ، فيقول : في المال شركاء ثلاثة : القدر لا يستأمرك أن يذهب بخيره وشره من هلك أو موت . أي أن القدر لا يستأذن عبدا في أن يذهب بالمال حيث يريد ، فتأتي أي مصيبة فتأخذ المال إلى هلك أو موت . هذا هو الشريك الأول في المال ، إنه القدر . والشريك الثاني في المال يوضحه لنا أبو ذر فيقول : إنّه الوارث ، ينتظرك إلى أن تضع رأسك ، ثم يستاقها وأنت قد سلبت بالموت كل ما تملك في الدنيا وأصبحت من غير أهلها . إن الوارث يقول لنفسه : « فلأستمتع بما ترك لي » ، وهذا هو الشريك الثاني في المال . ويوضح لنا أبو ذر رضى اللّه عنه الشريك الثالث في المال فيقول : والثالث أنت ، فإن استطعت ألّا تكون أعجز الثلاثة فلا تكن أعجزها . أي إياك أن يغلبك على المال القدر أو الوارث ، ينبغي عليك أن تغلب بإنفاق المال في سبيل اللّه وإلا أخذه منك باقي الشركاء . إذن لقد انفعل صحابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالآية حينما نزلت حتى عدا الخير المحبوب منهم إلى غيرهم ، وكان جزاء ذلك الجنة . لقد عرفوا قول الحق : « لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ » أي الجنة المترتبة على الطاعة أو