محمد متولي الشعراوي
1610
تفسير الشعراوى
حتى على لوح من الخشب ، أما حركتك في البر - الأرض - فأنت تمشى أو تركب ، تذهب أو تجىء ، فمجالك في البر متسع عن مجالك في البحر . و « البرّ » هو التقوى ، والطاعة ، أو هو « الجنة » وكلها معان ملتقية ، لأنها تؤدى إلى السعة ، فالطاعة تؤدى إلى السعة ، وكذلك التقوى ، وكذلك الجنة ، كلها ملتقية ؛ لأن كلها سعة ، فأحدهم أخذ معنى الكلمة من مرحلتها الأولى أي بالسبب وهو الطاعة ، وبعضهم أخذها من المرحلة الأخيرة أي بالمسبب وهو الجنة ، وقد يسأل سائل ، لماذا أراد اللّه أن يجئ بحديث عن النفقة بعد الحديث عن تعذيب الكفار ؟ ونقول : إن الحق حين يتكلم عمن يصيبه العذاب الأليم لأنه كفر ومات كافرا ، وماله من ناصرين فإن المقابل يأتي إلى الذهن ، وهو من آمن وعمل صالحا ، ومات على إيمانه ، فله عكس العذاب الأليم وهو النعيم ، وسيجد من يأخذ بيده ، بينما الكافر لن يجد ناصرين له . إن المؤمن سيجد جزاء اللّه على الطاعة وهي البر ؛ لأن البر هو كل خير ، وإن جاء على اطلاقه فإنه ينصرف إلى الجزاء من اللّه وقمته هو الجنة . وهكذا نرى المقابل لمعاملة الحق للكفار وهو معاملة الحق للمؤمنين ، لقد جاء هذا القول في القرآن وهو كلام اللّه المعجز ، وحين يخاطب سبحانه المكلفين بالمنهج . فهو يخاطب بكلامه ملكات إنسانية خلقها هو ، إذن فلابد أن يغذى هذا الكلام كل الملكات المخلوقة للّه ، فلو كان الخالق للملكات غير المتكلم لكان من الممكن ألا ينسجم الكلام مع الملكات ، ولكن الكلام هنا للّه الذي خلق ، لذلك لا بد أن تنسجم الملكات مع كلام اللّه . وفي النفس الإنسانية ملكات متعددة ، وهذه الملكات المتعددة متشابكة تشابكا دقيقا فتستطيع حين تخاطب ملكة سمعية أن تحرك مواجيد وجدانية ، فإن لم يكن العالم بالملكات عليما بها لما أمكن أن يجئ المنطق موافقا لملكة سمعية ، وموافقا لملكات وجدانية قد تتأتى بها طبيعة تداعى المعاني . و « تداعى المعاني » هو الخاصية الموجودة في الإنسان ، ومعنى « تداعى المعاني » أن الإنسان يستقبل معنى من المعاني فيشير ذلك المعنى إلى معان خبيئة يستدعيها لتحضر في الذهن ، فمثلا حين ترى إنسانا تعرفه . فإن تداعى المعاني يعطيك تاريخك معه