محمد متولي الشعراوي

1593

تفسير الشعراوى

الرسالات . وما دام الإسلام هو ذلك الانقياد الذي يختاره الإنسان لنفسه ليكون منسجما مع نفسه في الإسلام للّه ، ويكّون انسجاما مع الكون الآخر وما يحتويه من حيوان ونبات وجماد وغيرها في أنه أسلم خضوعا للّه ، وبذلك يصبح الكون بما فيه الإنسان المؤمن المسلم للّه كله مسخرا للّه سبحانه وتعالى . وما دام الكون بالإنسان قد صار مسخرا للّه فلا تضاد في حركة لتعاند حركة أخرى ؛ لأن الذي يهيمن هذه الهيمنة هو الذي وضع لكل إنسان في مجال حركته في الحياة قانونا يعصمه من أن يصطدم بغيره ، وإذا كان البشر قد استطاعوا أن يضعوا لأنفسهم معايير تمنع التصادم في الحركة ، ذلك التصادم الذي يؤدى إلى كوارث ومصائب . مثال ذلك ، لننظر إلى السكك الحديدية ، ألا يوجد موظف اسمه « المحولجى » ؟ ومعنى هذه الوظيفة هو أن القائم بها يقوم بتحويل القاطرة القادمة من طريق معين إلى مسار محدد حتى لا تدهم قاطرة أخرى جاءت من الطريق نفسه . إن ذلك من فعل الإنسان فيما صنع من قطارات ومواصلات ، لقد صنع أيضا وسائل تمنع تصادمها ، فما بالنا بالحق - وله المثل الأعلى - وهو الذي خلق الإنسان ؟ إنه سبحانه قد وضع المنهج حتى لا تصطدم حركة في الوجود بحركة أخرى . ولننظر إلى الأشياء التي جاءت بقانون التسخير ، والأشياء التي دخلت في ظل الاختيار . أسمعنا أن جملين سارا في طريقين متعارضين واصطدم الجمل بجمل ؟ لم يحدث ذلك أبدا ، فالجمل يفادى نفسه وما يحمل من الجمل الآخر وما يحمله ، لكننا نسمع عن تصادم سيارة مع سيارة ، ذلك أن السيارة لا تسير بذاتها بل تسير بقيادة إنسان مختار ، وهو الذي يصدم وهو الذي قد تأتى منه في غفلته الكوارث . إذن فتصادم حركة بحركة إنما ينشأ في الأمور الاختيارية ، أو غفلة إنسان عن مهمته ، كغفلة « المحولجى » عن عمله في تنظيم مرور القطارات ، لكن تصادم حركة في الوجود بحركة أخرى في الوجود هو أمر مستحيل ، ولا يحدث أبدا ؛ لأن الأمر الذي ما زال في يد المهيمن الأعلى ، مهيمن الأرض والسماء ، وهو اللّه الذي يسير الكون منسجما ويعرفنا بصفاته فيقول : « اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ » ومعناه : أنى أنا القائم بأسبابكم ومدبر أمركم ولا أنام أو تأخذنا سنة أو غفلة أي فناموا أنتم فقد سخرت الوجود كله من أجلكم .