محمد متولي الشعراوي
1589
تفسير الشعراوى
مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 84 ) عندما ننظر إلى هذه الآية بخواطرنا فإننا نجد أن الحق يمزج الرسول والمؤمنين به والمرسل إليهم في الإيمان به ، ويتحدث إلى الرسول والمؤمنين كوحدة إيمانية ، إن قول الحق : « قل » هو خطاب لمفرد هو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمقول : « آمنا » دليل على انسجام الرسول مع الأمة المؤمنة به ، فكأن الأمة الإسلامية قد انصهرت في « قل » ، وكأن الرسول موجود في « آمنا » ، وبذلك يتحقق الامتزاج والانسجام بين الرسول وبين المؤمنين به ، ويصير خطاب الحق إليهم هو خطاب لوحدة إيمانية واحدة لا انفصام فيها . وقد جاء الحق بهذا الأسلوب ليوضح لنا أن الرسول لم يأت ليتعالى على أمته ، بل جاء ليحمل أعباء هذه الأمة ، ولذلك قلنا من قبل : إن للرسول صلّى اللّه عليه وسلم إيمانين ، لقد آمن باللّه ، وآمن للمؤمنين ، وهو صلّى اللّه عليه وسلّم سيشفع لنا ، لأنه قد أدى مؤدى يسع أمته كلها ، لقد أتم البلاغ وخضع للتكليف بما يسع أمته كلها ، ولذلك يقول الحق : « قُلْ آمَنَّا » ، كان القياس أن يقول : « قُلْ آمَنْتُ » ، أو أن يقول : « قُولُوا آمَنَّا » * . لكن الحق في قرآنه الكريم يضع كل كلمة في موضعها ، فتصبح الكلمة جاذبة لمعناها ، ويصبح كل معنى عاشقا لكلمته ، وقد قال الحق هنا : « قُلْ آمَنَّا » ليتضح لنا أن محمدا رسول ممتزج في أمته ، وأمة الإسلام في طواعية لرسولها ، والأمر يأتي لرسول اللّه من الحق سبحانه ، والتنفيذ لهذا الأمر يكون من الجميع ، وفي هذا إشعار للخصوم أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم سيكون ذا عصبية إيمانية قوية ، فلو قال : « قُلْ آمَنْتُ » لكان معنى ذلك أن الرسول لن يملك إلا إيمانه فقط ، لكن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم آمن به قومه ، وكثير غيرهم وجاء على يديه فتح مكة كما قال الحق : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ( 1 ) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً ( 2 ) ( سورة النصر )