محمد متولي الشعراوي
1553
تفسير الشعراوى
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 16 ) ( سورة البقرة ) والحق سبحانه يقول هنا : « إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا » . ونعرف أن « الباء » دائما تدخل على المتروك ، أي أنهم تركوا عهد اللّه والأيمان التي حلفوا بها على التصديق بالرسول ، وعلى نصرته إذا جاءهم ، أنهم اشتروا ذلك بثمن قليل ، كيف يحدث ذلك ؟ لهذه المسألة واقعة حال ، وإن كان المراد عموم الموضوع لا خصوص السبب ، فلا يقولن أحد : إن هذه الآية نزلت في الأمر الفلاني فلا شأن لي بها ، لا . فكل من يشترى بآيات اللّه ثمنا قليلا تنطبق عليه هذه الآية . وواقعة الحال التي نزلت فيها الآية هي أن جماعة في عهد جدب ومجاعة دخلت على كعب بن الأشرف اليهودي يطلبون منه الميرة - أي الطعام والكسوة - فقال لهم : هل تعلمون أن هذا الرجل رسول اللّه ؟ قالوا نعم ، قال : إنني هممت أن أطعمكم وأن أكسوكم ولكن اللّه حرمكم خيرا كثيرا وتساءلوا : لماذا حرمنا اللّه الخير الكثير ؟ وجاءتهم الإجابة لقد أعلنتم الإيمان بمحمد فلما وجدوا أنفسهم في هذا الموقف ، قالوا لكعب بن الأشرف : دعنا فترة لأنه ربما غلبتنا شبهة ، فلنراجع فيها أنفسنا . وعندما مرت الفترة ، فضلوا الطعام والكسوة على الإيمان ، وقالوا لكعب بن الأشرف : لقد قرأنا في كتبنا الموجودة لدينا خطأ ، ومحمد ليس رسولا . فأعطاهم كعب القوت والكسوة . وهؤلاء هم الذين اشتروا بآيات اللّه ثمنا قليلا ، وهو الطعام والكسوة . وكل من يشترى بآيات اللّه ثمنا قليلا ، فهو يطمس حكما من أحكام اللّه من أجل أن يتظاهر أمام الناس أنه عصري ، أو أنه مساير لروح الزمان ، أو يزين لأولياء الأمر فعلا من الأفعال لا يرضى عنه اللّه . إذن فالذي يفعل مثل ذلك إنما يشترى بآيات اللّه ثمنا قليلا ، وكل من يجعل آية من آيات اللّه عرضة للبيع من أجل أن يأخذ عنها ثمنا يعتبر داخلا في هذا النص « إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا » . والمقصود هنا بعهد اللّه ، إما أن يكون عهد الفطرة أو العهد الذي أخذه اللّه على أهلي الكتاب بأنهم إن أدركوا بعثة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلابد أن يعلنوا الإيمان به وهو العهد الذي جاء به القول الحق : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ