محمد متولي الشعراوي
1544
تفسير الشعراوى
لأن منهم أصحاب ضمير حي ، ونحن نعرف أن المقصود بأهل الكتاب هم اليهود والنصارى ، وفي هذا التفسير إنصاف للنصارى فصفة الخير لهم لا ينكرها اللّه ، بل يشيعها في قرآنه الذي يتلى إلى يوم الدين ، وذلك ليصدق أيضا أهل الكتاب أىّ أمر سىء تنزل فيه آيات من القرآن ، لأن القرآن منصف مطلق الإنصاف . فمادام قد قال خصلة الخير فيهم فلابد أن يكون صادقا عندما يقول الأمور السيئة التي اتصفوا بها . وعندما يقول الحق سبحانه : « وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ » فالقنطار هنا للمبالغة في القدر الكبير من المال ، وكلمة الأمانة حينما نستعرضها في كتاب اللّه عز وجل نجد أنها مرة تتعدى بالباء ، كمثل هذه الآية « مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ » ومرة تتعدى ب « على » : قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ ( 11 ) ( سورة يوسف ) وقوله الحق : قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 64 ) ( سورة يوسف ) إن مادة الأمانة تأتى متعدية مرة بالباء ، ومرة متعدية ب « على » . وكل حرف من هذين الحرفين له حكمة ، فالمتكلم هو اللّه . إن الأمانة هي شئ يأتمن فيه مؤتمن على مؤتمن ولا حجة لصاحب الشئ المؤتمن عليه إلا ذمة المؤتمن ، فإن كانت العلاقة بينهما محكومة بإيصال أو عقد ، أو شهود فهذه ليست أمانة ، إنما الأمانة هي ما يعطيها إنسان لآخر فيما بينهما ، وبعد ذلك فالمؤتمن بعد ذلك إما أن يقرّبها وإمّا لا يقرّبها . وقلنا سابقا : إن على المؤمن الحق أن يحتاط للأمانة ، لأن هناك وقتا تتحمل فيه الأمانة ، وهناك وقت آخر تؤدى فيه الأمانة إن طلبها صاحبها . ومثال تحمل الأمانة كأن يعرض عليك إنسان مبلغا من المال ، ويقول : « احفظ