محمد متولي الشعراوي

1539

تفسير الشعراوى

ولنا أن نعرف أن « وجه النهار » مقصود به ساعات الصباح والظهر ، فالوجه هو أول ما يواجه في أي أمر ، ونحن نأخذ ذلك في أمثلة حياتنا اليومية ، فنقول عن بائع الفاكهة « لقد صنع وجها للفاكهة » ، أي أنه قد وضع أنضج الثمار في واجهة العربة ، وأخفى خلف الثمار الصالحة الناضجة ثمارا أخرى فاسدة . وعندما يفعل التاجر مثل هذا الفعل فمقصده الغش والخداع ، لأن الإنسان إذا ما اشترى أي مقدار من هذه الفاكهة فسيجد ربع ما اشترى هو من واجهة الفاكهة ، والباقي من الثمار الفاسدة . وكذلك حاول بعض من أهل الكتاب أن يخدعوا المؤمنين بإعلان الإيمان أول النهار ثم إعلان الكفر آخر النهار ، والهدف بطبيعة الحال هو إشاعة الشك وزراعة البلبلة في نفوس المؤمنين بخصوص هذا الدين ، فقد يقول بعض من الأميين : « لقد اختبر أهل الكتاب هذا الدين الجديد وهم أهل علم بمناهج السماء ولم يجدوه مطابقا لمناهج السماء » . أو أن الآية قد نزلت في مسألة تحويل القبلة إلى الكعبة ، فإذا كان الحق سبحانه قد أمر سيدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ، فالكافرون من أهل الكتاب أرادوا نقض ذلك ، وقالوا : « فلنسمع أول النهار كلام محمد ونتوجه في الصلاة إلى الكعبة ثم نصلى آخر النهار ونجعل قبلتنا بيت المقدس » . وكأن الحق قد أراد بذلك أن يكشف لنا أن كل أساليب الكفر هي من تمام قلة الفطنة وعدم القدرة على حسن التدبر ، لقد أرادوا إشعال الحرب النفسية ضد المسلمين ، لعل بعضا من المسلمين يتشككون في أمر الدين الجديد ، لكنهم دون أن يلحظوا أنهم قد فضحوا أنفسهم ، واعترفوا دون قصد منهم بأن الذين آمنوا بالقرآن هم المؤمنون حقا بينما هم قد أخذوا لأنفسهم موقف الكفر الذي هو نقيض للإيمان ، قال سبحانه حكاية عنهم : « آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ » فهم قد ارتضوا لأنفسهم الكفر . لقد أعلن هؤلاء المشككون التصديق بالإسلام ؛ وذلك ليعرف الناس عنهم ذلك ، ولكونهم أهل كتاب فهم قادرون على الحكم عليه ، فإذا ما رجعوا عن