محمد متولي الشعراوي

1504

تفسير الشعراوى

فسدت خلايا المخ ، فكل شئ ينتهى لأن المواصفات اختلت . إذن ، فالروح لا تحل إلا في بنية لها مواصفات خاصة ، والقتل وسيلة أساسية لهدم البنية ؛ وإذهاب الحياة ، لكن الموت هو إزهاق الحياة بغير هدم البنية ، ولا يقدر على ذلك إلا اللّه سبحانه وتعالى . ولكن خلق اللّه يقدرون على البنية ، لأنها مادة ولذلك يستطيعون تخريبها . إذن ، « فمتوفيك » تعنى مرة تمام الشئ ، « كاستيفاء المال » وتعنى مرة « النوم » . وحين يقول الحق : « إِنِّي مُتَوَفِّيكَ » ماذا يعنى ذلك ؟ إنه سبحانه يريد أن يقول : أريدك تاما ، أي أن خلقي لا يقدرون على هدم بنيتك ، إني طالبك إلى تاما ، لأنك في الأرض عرضة لأغيار البشر من البشر ، لكني سآتى بك في مكان تكون خالصا لي وحدى ، لقد أخذتك من البشر تامّا ، ومعنى « تاما » ، أي أن الروح في جسدك بكل مواصفاته ، فالذين يقدرون عليه من هدم المادة لن يتمكنوا منه . إذن ، فقول الحق : « وَرافِعُكَ إِلَيَّ » هذا القول الحكيم يأتي مستقيما مع قول الحق : « مُتَوَفِّيكَ » . وقد يقول قائل : لماذا نأخذ الوفاة بهذا المعنى ؟ نقول : إن الحق بجلال قدرته كان قادرا على أن يقول : إني رافعك إلىّ ثم أتوفاك بعد ذلك . ونقول أيضا : من الذي قال : إن « الواو » تقتضى الترتيب في الحدث ؟ ألم يقل الحق سبحانه : فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ( 16 ) ( سورة القمر ) هل جاء العذاب قبل النذر أو بعدها ؟ إن العذاب إنما يكون من بعد النذر . إن « الواو » تفيد الجمع للحدثين فقط . ألم يقل اللّه في كتابه أيضا : وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ( 70 ) ( سورة الأحزاب )