محمد متولي الشعراوي

1501

تفسير الشعراوى

ونريد أن نقف الآن عند كلمة قول الحق : « متوفيك » . نحن غالبا ما نأخذ معنى بعض الألفاظ من الغالب الشائع ، ثم تموت المعاني الأخرى في اللفظ ويروج المعنى الشائع فنفهم المقصد من اللفظ . إن كلمة « التوفى » نفهمها على أنها الموت ، ولكن علينا هنا أن نرجع إلى أصل استعمال اللفظة ، فإنه قد يغلب معنى على لفظ ، وهذا اللفظ موضوع لمعان متعددة ، فيأخذه واحد ليجعله خاصا بواحد من هذه . إن كلمة « التوفى » قد يأخذها واحدا لمعنى « الوفاة » وهو الموت . ولكن ، ألم يكن ربك الذي قال : « إِنِّي مُتَوَفِّيكَ » ؟ وهو القائل في القرآن الكريم : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 60 ) ( سورة الأنعام ) إذن « يتوفاكم » هنا بأي معنى ؟ إنها بمعنى ينيمكم . فالنوم معنى من معاني التوفى . ألم يقل الحق في كتابه أيضا الذي قال فيه : « إِنِّي مُتَوَفِّيكَ » . اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 42 ) ( سورة الزمر ) لقد سمى الحق النوم موتا أيضا . هذا من ناحية منطق القرآن ، إن منطق القرآن الكريم بين لنا أن كلمة « التوفى » ليس معناها هو الموت فقط ولكن لها معان أخرى ، إلا أنه غلب اللفظ عند المستعملين للغة على معنى فاستقل اللفظ عندهم بهذا المعنى ، فإذا ما أطلق اللفظ عند هؤلاء لا ينصرف إلا لهذا المعنى ، ولهؤلاء نقول : لا ، لابد أن ندقق جيدا في اللفظ ولماذا جاء ؟ وقد يقول قائل : ولماذا يختار اللّه اللفظ هكذا ؟ والإجابة هي : لأن الأشياء التي قد يقف فيها العقل لا تؤثر في الأحكام المطلوبة ويأتي فيها اللّه بأسلوب يحتمل هذا ،