محمد متولي الشعراوي
1494
تفسير الشعراوى
وكلمة « الطريق المستقيم » من الأمور المحسة والتي يتعرف الناس عليها بالتطبيق لقواعد المنهج . إن كلمة « مكر » ، مأخوذة من الشجر ، فساعة أن ترى الشجرة التي لا تلتف أغصانها على بعضها فإن الإنسان يستطيع أن يحكم أن ورقة ما ، هي من فرع ما . ولكن هناك نوع من الأشجار تكون فروعه ملفوفة على بعضها بحيث لا يستطيع الإنسان أن يعرف أي ورقة من أي فرع هي ، ومن هذا المعنى أخذنا كلمة « المكر » . فالرجل الذي يلف ويدور ، هو الذي يمكر ، فالذي يلف على إنسان من اجل ان يستخلص منه حقيقة ما ، والذي يحتال من أجل إبراز حقيقة ، فإن كان ذلك بغير قصد الضرر نسميه حيلة ، وإن كان بقصد الضرر فهذا هو المكر السئ . ولذلك فالحق يقول : وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ( من الآية 43 سورة فاطر ) ومعنى ذلك أن هناك مكرا غير سيىء ، أي أن المكر الذي لا يقصد منه إيقاع الضرر بأحد ، فإننا نسميه مكر خير ، أما المكر الذي يقصد منه إيقاع الضرر فهو « الْمَكْرُ السَّيِّئُ » . ولنا أن نسأل : ما الذي يدفع إنسانا ما إلى المكر ؟ إن الذي يمكر يدارى نواياه ، فقد يظهر لك الحب بينما هو مبغض ، ويريد أن يزين لك عملا ليمكر بك ، فيحاول مثلا أن يصحبك إلى مكان بعيد غير مأهول بالناس ويريد أن يوقع بك أبلغ الضرر ، وقد يكون القتل . إذن ، فمن أسس المكر التبييت ، والتبييت يحتاج إلى حنكة وخبرة ، لأن الذي يحاول التبييت قد يجد قبالته من يلتقط خبايا التبييت بالحدس والتخمين ، وما دام المكر يحتاج إلى التبييت ، فإن ذلك علامة على الضعف في البشر لأن القوى لا يمكر ولا يكيد ولكن يواجه .