محمد متولي الشعراوي

1487

تفسير الشعراوى

لقد أخرجنا من الصلاة إلى الحياة نبتغي من فضل اللّه ، ولذلك يكون الانتشار في الأرض والبحث عن الرزق عبادة . ولننظر إلى الدقة في قوله الحق : « فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ » إن الانتشار يعنى أن ينساح البشر لينتظموا في كل حركات الحياة ، وبذلك تعمر كل حركة فيها . إن كل حركة في الحياة هي عبادة ، وهكذا نستوعب قوله الحق على لسان عيسى بن مريم : « إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ » ومن بعد ذلك يقول الحق : « فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ » لقد حسم عيسى بن مريم أمر العقيدة حينما قال : « إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ » إن في ذلك تحذيرا من أن يقول أتباع عيسى أي شئ آخر عن عيسى غير أنه عبد اللّه خاضع للّه ، مأمور بالطاعة والعبادة للّه . ووضع أمامهم المنهج ، فقال : « هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ » . وقول الحق : « فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ » يدل على أن كل صاحب فكرة ، وكل صاحب مهمة ، وكل صاحب هدف لا بد أن يكون يقظ الأحاسيس ، لأن صاحب الفكرة وخاصة الذينية يخرج الناس من الظلمات إلى النور . وقد يقول قائل : لماذا يعيش الناس في الظلام ولا يتجهون إلى النور من أول الأمر ؟ وتكون الإجابة : إن هناك أناسا يستفيدون من وجود جموع الناس في الظلمات ، لذلك يكون بينهم أناس ظالمون وأناس مظلومون ، والظالم الذي يأخذ - اغتصابا - خير الآخرين ويعربد في الكون يخاف من رجل الدعوة الذي ينهاه عن الظلم ، ويدعوه إلى الهداية إلى منطق العقل ، ومثل هذا الظالم عندما يسمع كلمة المنطق والدعوة إلى الإيمان لا يحب أن تنطق هذه الكلمة ، إنه يكره الكلمة والقائل لها . إن الداعية مأمور من اللّه بأن يكون يقظا لأنه إن اهتدى بكلماته أناس وسعدوا بها ، فإنّه يغضب أناسا آخرين ، ذلك أن المجتمع الفاسد يوجد به المستفيدون من الفساد ، فالداعية عليه أن يعرف يقظة الحس ، ويقظة الحس معناها الالتفاف إلى الأحاسيس الخفية الموجودة عند كل إنسان ، ونحن نسمى الأشياء الظاهرة منها الحواس الخمس ، اللمس ، والرؤية ، والسمع ، والتذوق ، والشم . إن رجل الدعوة مأمور بأن تعمل كل حواسه حتى يعرف من الذي يجبن ويرتجف