محمد متولي الشعراوي
1474
تفسير الشعراوى
وخلق الإنسان من موجود ، وإن كان الاثنان على تقدير . وأيضا يعطى اللّه لخلقه سرا لا يستطيع البشر إعطاءه لصنعته ، فاللّه يعطيه سر الحياة ، والحياة فيها نمو ، وفيها تكاثر ، لكن البشر يصنعون الكوب مثلا ، فتظل كوبا ، ولا يوجد تكاثر بين كوب ذكر وكوب أنثى . إن الإنسان يوجد صنعته فتظل على حالتها ، ولا يستطيع أن يصنعها صغيرة ثم تكبر ، لكن صنعة اللّه هي صنعة القادر الذي يهب الحياة ، فتكبر مخلوقاته وتتطور وتمر بمراحل ، وتعطى مثلها . إذن ، فالخلق إيجاد على تقدير ، هذا الإيجاد يوجد معدوما ، والمعدوم موجودة مادته ، هذا في خلق الإنسان ، أما في خلق اللّه ، فاللّه يخلق من معدوم لا توجد له مادة . واللّه يخلق من الشئ ذكرا وأنثى ويعطيهما القدرة على التناسل ، فها هوذا قول الحق سبحانه : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ( 12 ) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 13 ) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ( 14 ) ( سورة المؤمنون ) ولم يمنع الحق خلقه أن يخلقوا أشياء ، ولكن خلق اللّه أحسن ، لماذا ؟ لأنه يخلق من عدم ، والبشر يخلقون من موجود . وهو الحق يخلق ويوجد في مخلوقاته حياة وتكاثرا ، والبشر يخلقون بلا نمو ولا حياة ، إنه الحق أحسن الخالقين ، إذن قول عيسى عليه السّلام : « أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ « الطَّيْرِ » فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ » . يعنى أن كل إنسان يستطيع أن يصنع تمثالا كهيئة الطير . لكن اللّه أوجد معجزة عيسى وجعله يخلق من الطين كهيئة الطير ، وينفخ فيه ، وقد تسأل ، في ماذا ينفخ ؟ أينفخ في الطير ، أم في الطين ، أم في الهيئة ؟ إن قلنا : إن النفخ في الطين بعد ما صار طيرا . يكون النفخ في الطين ، كالنفخ في الطير ، وجاءت في آية أخرى أنها نفخ في الهيئة .