محمد متولي الشعراوي

1472

تفسير الشعراوى

الرسول في البلاغ ، وما دامت المعجزة خارجة عن نواميس البشر ، فالمخالف نقول له : أنت حين تكذب أن حامل المعجزة رسول ، فكيف تعلل أنه جاء بمعجزة خرجت عن الناموس ؟ إذن ، فالمعجزة تلزم المنكر الذي يتحدى وتفحمه ، لأنه لا يستطيع أن يأتي بمثلها ، ولذلك قلنا : إن من لزوم التحدي ألا يتحدى اللّه حين يعطى رسولا معجزة إلا بشئ نبغ فيه القوم المبعوث إليهم ذلك الرسول ؛ لأن الحق لو جاء لهم بشئ لم يدرسوه ولم يعرفوه ، فالرد منهم يكون للرسول بقولهم : إن هذا أمر لم نروّض أنفسنا ولم ندربها عليه ، ولو روّضنا أنفسنا عليه لاستطعنا أن نفعل مثله ، وأنت قد جئت لنا بشئ لم نعود أنفسنا عليه ، لذلك يرسل الحق الرسول - أي رسول - بمعجزة من جنس ما ينبغ فيه القوم المرسل إليهم . . مثال ذلك ، موسى عليه السّلام ، أرسله اللّه إلى قوم كانوا نابغين في السحر ، فكانت معجزته تقرب من السحر . وإياك أن تقول إن معجزة موسى كانت سحرا ؛ لأن موسى عليه السّلام لم ينزل بسحر ولكن بمعجزة . كانوا هم يخيلون للناس أشياء ليست واقعا . لذلك تجد القرآن يعطيك الفارق بين ما يكون عليه ما يأتي به اللّه على يد رسول من الرسل من معجزة وسحر القوم ، فيقول القرآن : وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ( 17 ) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى ( 18 ) قالَ أَلْقِها يا مُوسى ( 19 ) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى ( 20 ) ( سورة طه ) كأن الحق يقول لموسى عليه السّلام : إن حدود علمك بما في يدك أنها عصا تتوكأ عليها وتهش بها على غنمك ، أما علمي أنا فهو علم آخر . لذلك يأمره أن يلقى العصا ، فلما ألقاها وجدها حية تسعى ، فأوجس في نفسه خيفة . . إن « فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً » هي التي فرقت بين سحر القوم ومعجزة موسى عليه السّلام » . لماذا ؟ لأن الساحر يلقى العصا فيراها الناس حية وهو يراها عصا لأنّ الساحر لو رآها حية لخاف مثل الناس ، لقد خاف موسى عليه السّلام لأنها تغيرت وصارت حية فعلا ، ولذلك قال له اللّه :