محمد متولي الشعراوي

1467

تفسير الشعراوى

إن الحق يعلمنا أن فتنة بعض الناس بعيسى ابن مريم عليه السّلام لا تؤثر في مكانة عيسى عليه السّلام عند الحق ، إنه مقرب من اللّه ، ولا تؤثر فتنة الآخرين في مكانته عند اللّه ، ويقول الحق . وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 46 ) الكلام : معناه اللفظ الذي ينقل فكر الناطق إلى السامع ، وقول الحق : « يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ » ، معناه أن المواجه لعيسى عليه السّلام في المهد هم الناس . و « المهد » هو ما أعد كفراش للوليد . ولقد أورد الحق « الْمَهْدِ وَكَهْلًا » رمزية لشئ ، وهي أن عيسى ابن مريم من الأغيار ، يطرأ عليه مرة أن يكون في المهد ، ويطرأ عليه مرة أخرى أن يكون كهلا ، وما دام في عالم الأغيار فلا يصح أن يفتتن به أحد ليقول إنه « إله » أو « ابن إله » . ونفهم أيضا من « وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ » سر وجود آية المعجزة التي وهبها له اللّه وهو طفل في المهد . لأن المسألة تعلقت بعرض أمه وكرامتها وعفتها ، فكان من الواجب أن تأتى آية لتمحو عجبا من الناس حين يرونها تلد بدون أب لهذا الوليد أو زواج لها . وهذه المسألة لم نجد لها وجودا . مع أنها مسألة كان يجب أن تقال لأنهم يمجدون نبيهم ، وكان من الواجب ألا يغفلوا عن هذه العجيبة ، إن كلام طفل في المهد لما كان أمرا عجيبا كان لا بد أنّه سيكون محل حفظ وتداول بين الناس ، ولن يكتفى الناس برواية واقعة كلامه في المهد فقط ، بل سيحفظون ما قاله ، ويرددون قوله . والكلمة التي قالها عيسى عليه السّلام في المهد لا تسعف من يصف عيسى عليه السّلام بوصف يناقض بشريته ؛ لأن الكلمة التي نطق بها أول ما نطق : إني عبد اللّه ، فأخفوا هم هذه المسألة كلها لأن هذه الكلمة تنقض القضية التي يريدون