محمد متولي الشعراوي
1454
تفسير الشعراوى
لقد عرفنا أن الاصطفاء هو الاجتباء والآختيار ، ويقتضى « مصطفى » بفتح الفاء . ويقتضى « مصطفى » بكسر الفاء . والمصطفى هو اللّه ، لكن ما علة الاصطفاء ؟ إن الذي يصطفيه اللّه إنما يصطفيه لمهمة ، وتكون مهمة صعبة . إذن هو يصطفيه حتى يشيع اصطفاؤه في الناس . كأن اللّه قد خصه بالاصطفاء من أجل الناس ومصلحتهم ، سواء أكان هذا الاصطفاء لمكان أم لإنسان أم لزمان ليشيع صفاؤه في كل ما اصطفى عليه . لقد اصطفى اللّه الكعبة من أجل ماذا ؟ حتى يتجه كل إنسان إلى الكعبة . إذن فقد اصطفاها من أجل البشر وليشيع اصطفاؤها في كل مكان آخر ، ولذلك قال الحق عن الكعبة : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ( 96 ) ( سورة آل عمران ) وإذا اصطفى الحق سبحانه زمانا ، كاصطفائه لرمضان ، فلماذا اصطفاه ؟ ليشيع صفاؤه ، وصفاء ما أنزل فيه في كل زمان . إذن فاصطفاء الحق للشخص أو للمكان أو للزمان هو لمصلحة بقية الناس أو الأمكنة أو الأزمنة ، لماذا ؟ لأن أحدا من الخلق ليس ابنا للّه ، وليس هناك مكان أولى بمكان عند اللّه . ولكن اللّه يصطفى زمانا على زمان ، ومكانا على مكان ، وإنسانا على إنسان ليشيع اصطفاء المصطفى في كل ما اصطفى عليه . إذن فهل يجب على الناس أن يفرحوا بالمصطفى ، أو لا يفرحوا به ؟ إن عليهم أن يفرحوا به ؛ لأنه جاء لمصلحتهم ، والحق سبحانه يقول : يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ( 43 ) فكأن ما تقدم من حيثيات الاصطفاء الأول ، والاصطفاء الثاني ، يستحق منها القنوت ، أي العبادة الخالصة الخاضعة الخاشعة . وقد يقول قائل : ولماذا يصطفى