محمد متولي الشعراوي

1442

تفسير الشعراوى

مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ » وأثارت هذه المسألة في نفس زكريا نوازع شتى ، إنها مسألة غير عادية ، لقد أخبرته مريم أن الرزق الذي عندها هومن عند اللّه الذي يرزق من يشاء بغير حساب ، إنه الإله هو القادر على أن يقول : « كن » فيكون . وهنا ذكر زكريا نفسه ، وكأن نفسه قد حدثته : « إذا كانت للقدرة طلاقة في أن تفعل بلا أسباب ، وتعطى من غير حساب ، فأنا أريد ولدا يخلفني ، رغم أنني على كبر ورغم بلوغي من السن عتيّا ، وامرأتي عاقر . إن مسألة الرزق الذي وجده زكريا كلما دخل على مريم هي التي نبهت زكريا إلى ما يتمنى ويرغب . ونحن نعلم أن المعلومات التي تمر على خاطر النفس البشرية كثيرة ، ولكن لا يستقر في بؤرة الشعور إلا الذي يصر عليه الإنسان ، وهناك فرق بين معلومات توجد في بؤرة الشعور . ومعلومات في حاشية الشعور يتم استدعاؤها عند اللزوم ، فلما وجد زكريا الرزق المنوع عند مريم وقالت له عن مصدره : « هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ » . هنا تساءل زكريا : كيف فاتنى هذا الأمر ؟ ولذلك يقول الحق عن زكريا : هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ( 38 ) إنها ساعة أن قالت له : إن الرزق من عند اللّه ، وأنه الحق الذي يرزق من يشاء بغير حساب ، هنا أيقظت فيه القضية الإيمانية فجاءت أمنيته إلى بؤرة الشعور ، فقال زكريا لنفسه : فلنطلب من ربنا أن يرزقنا ما نرجوه لأنفسنا ، وما دام قد قال هذا القول فلابد أنه قد صدق مريم في قضيتها ، بأن هذا الرزق الذي يأتيها هو من عند اللّه ، ودليل آخر في التصديق ، هو أنه لا بد وقد رأى أن الألوان المتعددة من الرزق التي توجد عند مريم ليست في بيئته ، أو ليست في أوانها ؛ وكل ذلك في المحراب .