محمد متولي الشعراوي

1439

تفسير الشعراوى

عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 37 ) وقد عرفنا القبول الحسن والإنبات الحسن ، أما قوله الحق : « وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا » فهذا يعنى أن المسألة جاءت من أعلى ، إنه الرب الذي تقبل بقبول حسن ، وهو الذي أنبتها نباتا حسنا . إذن ، فرعاية زكريا لها إنما جاءت بأمر من اللّه . والدليل على ما حدث عند كفالة مريم . لقد اجتمع كبار القوم رغبة في كفالتها وأجروا بينهم قرعة من أجل ذلك . وساعة تجد قرعة ، أو إسهاما . فالناس تكون قد خرجت من مراداتها المختلفة إلى مراد اللّه . فعندما نختلف على شئ فإننا نجرى قرعة ، ويخصص سهم لكل مشترك فيها ، ونرى بعد ذلك من الذي يخرج سهمه ، ويلجأ الناس لهذا الأمر ؛ ليمنعوا هوى البشر عن التدخل في الاختيار ، ويصبح الأمر خارجا عن مراد البشر إلى مراد اللّه سبحانه وتعالى ، وهذا ما حدث عند كفالة زكريا لمريم . ولذلك فالحق يقول لسيدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ( 44 ) ( سورة آل عمران ) إذن فالكفالة لمريم أخذت لها ضجة ، وهذا دليل على أنهم اتفقوا على إجراء قرعة بالنسبة لكفالتها ، ولا يمكن أن يكونوا قد ذهبوا إلى هذه القرعة إلا إذا كان قد حدث تنازع بينهم ، عن أيهم يكفل مريم ، ومن فضل اللّه أن زكريا عليه السّلام كان متزوجا من « إشاع » « أخت » « حنة » وهي أم مريم ، فهو زوج خالتها . وكلمة « أقلامهم » قال فيها المفسرون : إنها القداح التي كانوا يصنعونها قديما ، أو الأقلام التي كتبوا بها التوراة ، فرموها في البحر ، فمن طفا قلمه لم يأخذ رعاية مريم ، ومن غرق قلمه في البحر فهو الذي فاز بكفالة مريم . إذن فهم قد خرجوا