محمد متولي الشعراوي

1408

تفسير الشعراوى

الخارج . فمن قالوا عن أنفسهم : إنهم سيطعمون الناس أطعمهم الناس . أليس ذلك مصداقا لقول الحق : « من غير حساب » ؟ إنه الحق سبحانه لا يحسب حركتك أيها الإنسان ليعطيك قدرها ، ولكنه قد يعطيك أحيانا فوق حركتك . ونحن نرى إخوتنا الذين أفاض اللّه عليهم بثروة البترول ، لقد تفجر البترول من تحت أرجلهم دون جهد منهم ، إنه اللّه يريد أن يلفت الناس إلى قدرته جل وعلا ، وأن الأرزاق في يده هو . وننظر إلى الناس الذين يشيرون إلى منطقة البترول فيتهمون أهلها بالكسل ، ونجد أن الحق سبحانه وتعالى قد سخر لهم غير الكسالى ليخدموهم ، وعندما أفاء على المنطقة العربية بالبترول احتاجت لهم الدول التي تقول عن نفسها : إنها متقدمة ، إنه رزق بغير حساب . إن هذه اللفتات إنما تؤكد للمؤمن طلاقة القدرة ، إن الحق قد خلق الأسباب ، ولم يترك الأسباب تتحكم وحدها ، وقد يترك الحق الأسباب للإنسان ليعمل بها ، وقد لا يعطيه منها ، ويعطى الحق الإنسان من جهة أخرى لم يحسب لها حسابا . والإنسان الذي يتأمل تقدير أموره أو أمور من يعرف يجد أن تلك القضية منتشرة في كل الخلق ، إنه سبحانه يرزق بغير حساب ، ولا يقول : « لقد فعلت على قدر يساوى كذا » ، والحق سبحانه يعطى بغير حساب من الإنسان ؛ لأن الموازنة التي قد يقوم بها الإنسان قد يأتي لها من الأسباب ما يخرقها . إذن « وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ » تعنى قدرة الحق المطلقة على الرزق بغير حساب ولا توجد سلطة أعلى منه تقول له : لماذا فعلت ؟ أو ماذا أعطيت ؟ أو من غير حساب منه سبحانه لخلقه ، فيأتي الرزق على ما هو فوق أسباب الخلق ، أو من غير حساب للناس المرزوقين فيأتي رزقهم من حيث لم يقدروا ، فإذا كانت كل هذه الأمور للّه ، وهو مالك الملك ويعطى من يشاء ، ويعز من يشاء ، ويولج الليل في النهار ، ويرزق من يشاء بغير حساب ، أليس من الحمق أن يذهب إنسان ليوالى من لا سلطان له ويترك هذا السلطان ، إن من يوالى غير اللّه هو الذي استبد به الغباء . ولنفطن لتلك القضية الإيمانية : أي فمادامت كل الأمور عندي فإياكم أن توالوا خصومى ، لأننى أنا الذي بيده كل شئ ، هاهوذا القول الحق : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ