محمود صافي
139
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه مع فوائد نحوية هامة
فأنت طلاق والطلاق عزيمة * ثلاث ، ومن يخرق أعق وأظلم فقال : ماذا يلزمه إذا رفع ال ( ثلاث ) وإذا نصبها ؟ قال أبو يوسف : فقلت : هذه مسألة نحوية فقهية ، ولا آمن من الخطأ إن قلت فيها برأي ، فأتيت الكسائي ، وهو في فراشه ، فسألته ، فقال : إن رفع ثلاثا طلقت واحدة ، لأنه قال : « أنت طلاق » ثم أخبر أن الطلاق التام ثلاث ؛ وإن نصبها طلقت ثلاثا ، لأن معناه : أنت طالق ثلاثا ، وما بينهما جملة معترضة . فكتبت بذلك إلى الرشيد ، فأرسل إليّ بجوائز ، فوجهت بها إلى الكسائي . وأقول : إن الصواب أن كلا من الرفع والنصب محتمل لوقوع الثلاث ولوقوع الواحدة ، أما الرفع فلأن ( أل ) في الطلاق إما لمجاز الجنس كما تقول : « زيد الرجل » أي هو الرجل المعتد به ، وإما للعهد الذكري ، مثلها في قوله تعالى ( إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا ، فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا ) ، أي وهذا الطلاق المذكور عزيمة ثلاث ؛ ولا تكون للجنس الحقيقي ، لئلا يلزم الإخبار عن العام بالخاص ، كما يقال : « الحيوان إنسان » وذلك باطل ، إذ ليس كل حيوان إنسانا ، ولا كل طلاق عزيمة ولا ثلاثا ؛ فعلى العهدية يقع الثلاث ، وعلى الجنسية يقع واحدة كما قال الكسائي ؛ وأما النصب : فلأنه محتمل لأن يكون على المفعول المطلق ، وحينئذ يقتضي وقوع الطلاق الثلاث ، إذ المعنى فأنت طالق ثلاثا ، ثم اعترض بينهما بقوله : « والطلاق عزيمة » ، ولأن يكون حالا من الضمير المستتر في عزيمة ، وحينئذ لا يلزم وقوع الثلاث ، لأن المعنى : والطلاق عزيمة إذا وقع ثلاثا ، فإنما يقع ما نواه ؛ هذا ما يقتضيه معنى اللفظ ، مع قطع النظر عن شيء آخر ؛ وأما الذي أراده هذا الشاعر المعين فهو الثلاث ، لقوله بعد : فبيني بها إن كنت غير رفيقة * وما لامرئ بعد الثلاث مقدّم