محمود صافي

169

الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه مع فوائد نحوية هامة

وفي محيط المحيط : التفليف عند البلغاء ، هو التناسب ، وهو عبارة عن إخراج الكلام مخرج التعليم بحكم أو أدب ، لم يرد المتكلم ذكره ، وإنما قصد ذكر حكم داخل في عموم المذكور الذي صرّح بتعليمه ؛ وأوضح من هذا أن يقال : إنه جواب عام ، عن نوع من أنواع جنس تدعو الحاجة إلى بيانها كلها ، فيعدل المجيب عن الجواب الخاص عما سئل عنه من تبيين ذلك النوع ، إلى جواب عام يتضمن الإبانة على الحكم المسؤول عنه وعن غيره مما تدعو الحاجة إلى بيانه . فإن قوله « ما كانَ مُحَمَّدٌ » جواب عن سؤال مقدر ، وهو قول قائل : أليس محمدا أبا زيد بن حارثة ؟ فأتى الجواب يقول : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ، وكان مقتضى الجواب أن يقول : ما كان محمد أبا زيد ، وكان يكفي أن يقول ذلك ، ولكنه عدل عنه ترشيحا للإخبار بأن محمدا ( صلّى اللّه عليه وسلّم ) خاتم النبيين ، ولا يتم هذا الترشيح إلا بنفي أبوته لأحد من الرجال ، فإنه لا يكون خاتم النبيين إلا بشرط أن لا يكون له ولد قد بلغ ، فلا يرد أن له الطاهر والطيب والقاسم ، لأنهم لم يبلغوا مبلغ الرجال . ثم احتاط لذلك بقوله : مِنْ رِجالِكُمْ ، فأضاف الرجال إليهم لا إليه ، فالتف المعنى الخاص في المعنى العام ، وأفاد نفي الأبوة الكلية لأحد من رجالهم ، وانطوى في ذلك نفي الأبوة لزيد . ثم إن هناك تلفيفا آخر ، وهو قوله « وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ » فعدل عن لفظ نبي إلى لفظ رسول ، لزيادة المدح ، لأن كل رسول نبي ولا عكس ، على أحد القولين ، فهذا تلفيف بعد تلفيف . الفوائد - بعض أحكام لكن : من المعلوم أن ( لكن ) المخففة هي حرف استدراك ، وأحيانا تأتي عاطفة ، وقد اختلف النحاة في نحو : ( ما قام زيد ولكن عمرو ) على أربعة أقوال : 1 - ما قاله يونس : إن لكن غير عاطفة ، والواو عاطفة مفردا على مفرد . 2 - ما قاله ابن مالك : إن ( لكن ) غير عاطفة ، والواو عاطفة لجملة حذف بعضها على جملة صرح بجميعها . قال : فالتقدير في نحو : ( ما قام زيد ولكن عمرو ) ولكن قام